بشار العيسى : رؤية أولية لمسالة شائكة


رسالة الى صديق كردي سوري
البارحة تشعب الحديث والتعب يجعلنا احيانا ان نستعصى على الاستيعاب خاصة في ظروف مثل ظروف وطننا اليوم وجماعتنا المعارضة وقومنا الكرد، صحيح ان الوطنية السورية لثقل وطول سنيّ احتلال سلطة الاسد والبعث التي مرينا بها منذ استيلاء الاسد على السلطة الى اليوم والوراثة والأوهام التي علقها البعض على النية الحسنة في ان لا يكون الابن سرّ ابيه ضاعت في سراب الفحش الطغياني التي شكلت شخصية الولد المدلل ارضيته الخصبة.

في وضع المعارضة العربية

تستقي المعارضة العربية اليوم عقلها السياسي من التناسل الذي احكم نشوؤها، فأحزاب الجبهة غدت وكأنها استطالات مرضية التصقت بسلطة تشبههم او تماثلوا معها. ورغم ان ما يسمى بأحزاب المعارضة، كون جلّها تناسلت بالانقسام من احزاب الجبهة ظلت لفترة سنوات ثلاث او اربع تتنافس مع شقائقها على استجداء اعتراف السلطة بشرعيتها ( الحزب الشيوعي المكتب السياسي والاتحاد الاشتراكي ، وباقي الاحزاب الاخرى غير ذات اهمية فكرية او شعبية) حضرت الرابطة/ حزب العمل دائما بصفة شاهد زور، من خارج قاعة المحكمة لتشهد للكلّ ضد الكلّ الى ان وصلت في الثمانينات ابان المعركة الشعبية ضد نظام الاسد حين صارت بوق السلطة المخفي في الشغب على العمل المعارضي بحجة محاربة الرجعية ومن ثم الاستبداد.

اما الاحزاب الكردية والتي كان عديدها ايام وصول الاسد السلطة اثنان اصبحت ثلاث بعد تدخل البرزاني الاب، بقيت باستمرار في المنطقة الرمادية لم تصبح احزابا معارضة وهي ببرامجها وصيغة وجودها معارضة بامتياز لأنها نقيض سايسة يومية واستراتيجية لسلطة عنصرية بامتياز ، كما انها لم تصبح احزاب موالاة رغم الهدنة الوهمية التي حكمت علاقة قيادات هذه الاحزاب بدوائر السلطة الامنية لسبب وغيره لكنها بقيت على مبعدة من الاحزاب العربية عموما والمعارضة خصوصا، و بعد الدخول الاشكالي للبي كا كا وتحالفاته الودية مع السلطة السورية فضلا عن الاحزاب الكردية العراقية زمن الصراع مع صدام، مما فرض على الاحزاب الكردية السورية، نوعا من عبور المطهر بين الجنة والنار تزامن وحدوث حالة كردستانية نشأ عنها حركة نهضة فكرية وثقافية شبابية في المجتمع الكردي في سوريا شعر ونصوص ووعي قومي عابر للحدود وصحافة متقدمة عن تلك البائية التي وسمت المعارضة وحدثت وانشقاقات حزبية هائلة فضلا عن بحوث معرفية وانتشار للغة الكردية كتابة وتنقية).

بعد انتفاضة 2004 وقبلها سقوط صدام وبروز فضاء اقليم كردستان شحن الانتفاضة الشعبية 2004 بالزخم الشعبي الذي تجاوز العجز او الستاتيكو الحزبي، اثارت من جهة ريبة الشخصيات والاحزاب العربية تجاه المارد الكردي الذي كان مهملا الى لحظة قليلة فاذا به يسيطر على شارعه ويواجه السلطة بقوة شعبية كبيرة وتضحيات اكبر اسالت لعاب الصراعات الداخلية بين الاحزاب المعارضة العربية اذ بعدما تباروا في الشك والادانة والتحذير من حراك انفصالي عادوا و اجتهدوا في استمالة بعض من كردهم فكان الدخول الاشكالي والاحتفالي لبعض من الاحزاب الكردية منظومة اعلان دمشق والغريب وقع الاختيار على اقل الاحزاب الكردية تشددا في خطابها المعارض والنقدي للنظام في حين غابت الاحزاب التي تشبه بخطابها واحزاب المعارضة وهذه نقطة تسجل لصالح الاحزاب التي انتظمت في اعلان دمشق لأنها كانت اكثر عقلانية سياسية.

لم يكن صعبا على الاحزاب الكردية في اطر اعلان دمشق ان تكتشف بسرعة انها دخلت منظومة من الاحزاب المتصارعة بضعفها رغم حضور بعض الشخصيات الكاريزمية لبعض الافراد وبالتالي غدت الاحزاب الكردية هي الحاضنة والرافعة لاسم كبير لقرية صغيرة ورغم ذلك تنازلت الاحزاب الكردية داخل اعلان دمشق وخارجه عن حق وطني بغير حق لأحزاب عربية صغيرة وشخصيات مستقلة عن دور كانت تستحقه بجدارة، يبدو الامر معه وكأن الاحزاب التي تعودت البقاء في المنطقة الرمادية بدل الخروج الى الواجهة المعارضية ظلت تحن الى المنطقة الرمادية وربما عن ذكاء لم ترض فيه ان تصبح متراسا ومكسر عصا، ويبدو ان السلطة ايضا فهمت هذه الحالية جيدا فبقي غضبها يطال شخصوا في الحزبية الكردية وليس احزابا بحد ذاتها.

مع الانتفاضة الشعبية التي غدت ثورة سلمية ديمقراطية رائعة والتي دخلت شهرها الرابع، غدت الاحزاب الكردية عنوانا كبيرا بفضل المشاركة السريعة والشبابية الكردية في التظاهر والصياغة التضامنية مع المدن والبلدات العربية في درعا وبانياس واللاذقية وحمص الخ، والتي رفع من رصيدها محاولة الاسد رشوة الكرد بالجنسية لخلق فراغ في التواصل بينهم وبين القوى الشعبية في باقي البلاد السورية. ان موقف السلطة الفتنوي هو الذي رفع ويرفع من رصيد الكرد ودورهم في الوجدان الشعبي للأهمية الاعلامية التي اعطيت لحراكهم رغم ان المشاركة الكردية كمياً لا ترقى الى عشرين بالمئة او حتى عشرة من القدرة الكامنة للحيوية السياسية التي تستطيع بها الاحزاب الكردية استنفار جماهيرها والسبب برايي ان الاحزاب الكردية لسبب وآخر تلجم الشارع الكردي من التمادي في الحضور في الشارع بحسابات اتمنى الا تكون خاطئة ، قناعتي ان السبب يعود الى القراءة الخاطئة لبعض الساسة الكرد ممن يتميزون بحس سياسي كبير لمنع بعض المغامرين او الديماغوجيا من التسلل الى الشارع فتفلته وتشتته وتقبض عليه بالوقتية والاستعراضية ويعود السبب في ذلك ان الاحزاب الكردية انقسمت عموديا الى كتلتين وربما ثلاث من حول استقطابات اساسية اوجلان واربيل والسليمانية هذا خارجيا وداخليا حول المعارضة العربية التي ما زالت هي تستقطع لنفسها الشرحات التي تختارها بدواعي سيطرتها على المركز وهي حقيقة لا تسيطر على شيء.

من هنا تبدو رحلات الصيف والشتاء للقيادات الكردية كل اسبوعين الى دمشق والتجول على ابواب ما يسمونه بالمعارضة العربية احزاب متهالكة اشخاص مشتتون بانتماءات طائفية ومناطقية وسياسية يجدون في العربة الكردية محمل زادهم وزوادتهم وهم في الحقيقة يستغلون الحزبيات الكردية التي يطيب لها ذلك ترفعهم لافتات رمادية في وجه الحركة الشبابية والغضب الصامت في قواعدهم الحزبية.

في السياسي والفكري

رغم بعض من المحاولات الجادة لم ترتقي الحزبية الكردية ولا افراد المستقلون المثقفون بوعيهم الى مستوى النقدي التاريخي او السياسي واو الثقافي بقينا جميعا اسرى حنين نراكمه يوما عن يوم بنقل شفاهي يجعل من المجهول اسطورة نعشقها ونرددها وبذا نفتقد الطريق الى وسائل وادوات نقد حقيقية لا يمكن بغيرها بناء حاضر ورؤية مستقبل.

منذ انتفاضة آذار 2004 سيطر على الخطاب الكردي مصطلحا ارض وشعب، ورغم السهولة التداولية لهذه الثنائية حقيقة لم افهم ما يراد بهذه الأنشودة سياسيا وبرامجيا؟ التي صار يكررها الكبير والصغير العاقل والاحمق دون ان يوضع لها مدلولا سياسيا بأفق واقعي برامجي ومع ذلك لا يجوز التوقف عند المصطلحين فالقول بان القضية الكردية قضية ارض وشعب، لا يمكن ترجمتها سياسيا في الشراكة الوطنية السورية في حين ان المظالم التي لحقت الكرد كبيرة جدا اشد وادهى ولو انتقلنا الى العراق لراينا ان الاستعصاء في كركوك اشد واكثر تعقيدا منه في باقي اجزاء اقليم كردستان وفي سوريا الأمر مشابه تماما فالحق الكردي لا يحضر بمصطلح الارض والشعب بل بثقافة وعي يرتقي الى المظالم والانتهاكات بغير حق التي لحقت الكرد من اصدقائهم التاريخيين، الاسد واسرته واجهزته الامنية وعلى راسهم محمد منصورة وباقي الآخرين.

مظالم الكرد التي جعلت منهم كمّا هاشميا غير فعال وايتام على مائدة لئام السلطة ومعارضتها:

1 ـ صيغة الجمهورية العربية السورية التي حلت محلّ الجمهورية السورية.

2ـ استمرار مفاعيل سياسة الانتداب بغياب المدرسة الكردية اسوة بالأرمن والآشوريين والسريان في سنوات الاحتلال والاستقلال وما تلاها وهنا علينا ان نفكر بالذي جنيناه من تعامل الاخوة بدرخان مع السلطة الانتدابية والتي يضخمها الكرد الى مستوى القداسة بغير وثيقة.

3ـ مسائل الاصلاح الزراعي والتي غدت مع مرور الايام احتيالا مكشوفا للاستيلاء على اراضي الكرد وحين اقول اراضي الكرد لا اقصد اراضي هذا الملاك او ذلك الاقطاعي بل الارض الكردية باعتبارها وقفا كردستانيا كونها ملكية الامة/ الشعب، ولو بأسماء فردية، وهنا علينا التوقف عند السهولة التي اهملنا بها جميعا التخلي عن هذا الوقف الوطني لصالح الخضوع لسياسات محشوة بفراغ الايديولوجيا عن القاعدة المادية للاشتراكية واعني اول من اعني نفسي وكل اليساريين الكرد ممن قبلنا بسذاجة هذه المنطوقة الايديولوجية الساذجة. تضاعفت مفاعيل قوانين الاصلاح الزراعي بفعل قوانين الاحصاء والطوارئ والإحالات القضائية لأملاك الدولة، غد بها الارض الكردية بل الكردستانية نهبا منظما لم ندافع ضد سرقته ونهبه بقوة الحق واهملنا حقوق الاجيال القادمة في مهب سياسات وقتية واحتفالات تنافسية بنيروز وخلافات ما انزل الله بها من سلطان فغدونا احزابا وشيعا وتكتلات لا وجود في برامجها الارض العيانية التي تنهب بصكوك ملكية تحل محل صكوك ملكية الغيت بقوانين الطوارئ.

كما انه مع سلطة الاسد تحولت هذه الاراضي الى مشاع لمستوطنات عروبية احتلالية هجّرت الكرد من الارياف وزنرت بهم المدن وحولتهم الى سكان منافي مدينيه يعوضونه ربيعيا الى مواسم الخروج الى الطبيعة باحتفالية رخيصة بوعي تنافسي سياحي رعوي غير فلاحي يعطي الارض ليس قيمتها الانتاجية الاقتصادية وانما مدلولا سياحيا يعوض الحنين الميراثي بثقافة استهلاكية مدينية محدثة.

كان علينا وخاصة مثقفين وحقوقيينا وسياسيين ان نتمثل بالنهضة الفلسطينية في هذا المجال ( الملكية الوقفية الكردستانية للأرض وليس الملكية العقارية الريعية الخاصة ) فالتوثيق والترافع امام المحاكم وحتى الجزائية الدولية والعقارية الخاصة بالأملاك العثمانية ما كان لها ان تغيب عن اذهاننا.

4ـ مسألة سحب الجنسية من الكرد وتحويلها من قضية جنائية الى مسألة سياسية وانتهاك فاحش لحقوق الانسان وليس إجراء سياسي يقتضي التصحيح او التراجع عنه او الترقيع فيه بل انه اعتداء على حق انساني وملكية فردية وعامة مركبة النتائج بقوانين غير قانونية تطال ليس الفضاء الوطني بل الشرعة الدولية وهذا يتم التعويض عليه ليس باسترجاع الحقوق وانما رد المظالم الى المتضررين افرادا مواطنين وقوما كرد، تدمرت بفعل هذه القوانين الاقتصاد والزراعة والارياف وقامت بنتيجته هجرة من الريف للمدينة ومن الوطن الى المغتربات.

5 ـ الحق بالتعليم بلغة الام بالحق بالمدرسة والكتاب والوظيفة والادارة الذاتية والتخلص من المستوطنات العربية بإزالتها تماما كما يطالب الاخوة العرب الفلسطينيون بإزالة المستوطنات الاسرائيلية من الاراضي الفلسطينية كحق وطني لشعب من الشعوب السورية في ارضهم وفضائهم والتعويض عليهم بمرو السنين.

6 ـ الغاء وتصحيح مفاعيل سياسة التعريب المشينة والمتخلفة عقليا ومعرفيا والتي شملت ليس الاسماء الكردية وحسب بل التاريخ الجمعي لميراث وحضارة الشعوب التي تداخلت ثقافاتها في هذه المنطقة الاشهر في تاريخ الانسانية بلاد ما بين النهرين وطريق الحرير.

قناعتي ان هذه الحقوق الواضحة والصريحة هي التي يجب ان تحضر في كل محفل حواري سوري يحضره الكرد وتجب تثقيف الجماعة الكردية به لإعادة الوعي للعربي بانه ليس وحده مالك الارض ولا الوطن وان الحقوق لا تنفصل ولا تتجزأ فمثلما يطالب بسوريا جزءا من الوطن العربي للكردي الحق بالتواصل مع ابن عمه وجاره على الطرف الآخر من الحدود وان التاريخ والتقادم لا يسقط حق الشعوب ولن يلغي من الذاكرة اسماء الافراد.

ان الجدال من حول الفاظ مصطلحات حقوقية فلسفية وسياسية متاهة لن ينجح فها الكردي بفحش اللغة التي لا يتقنها اقصد العربية لكن الحقوق بالنصوص والوقائع التاريخية هي حقائق حارقة لا يمكن الدوران حولها.

ربما لم اقل او لم تسعفني اللحظة بقول كل ما يعتمل في داخلي اذا ليس الكردي بحاجة لاستجداء معارضة لا تمثل الا شخوصها بعقدهم الحزبية الخلافية والديماغوجية بثقافة تغرف من خزائن فارغة متكلسة خاوية، ففاقد الشيء لا يستطيع العطاء، اذ ان حقوق الكرد التاريخية والمستقبلية القوم الكرد ليست عند هذا او ذاك ممن يدعي بامتلاكه صكوك المعارضة يحمل اختام رئيس مخفر مهجور .

ان المشاركة الكردية الواسعة والحاسمة في الثورة الديمقراطية ، وليس استجداء البعض العربي، هي التي ستجعل من الكردي الشريك الذي لا يمكن تجاهله لحظة صياغة المفاهيم المدنية المجتمعية الدستورية للوطن السوري المستعاد بصيغة جمهورية سورية بغير هوية عروبية، واضح ناصع لا لبس فيه لشعب سوري متعدد الاثنيات والثقافات بالقانون الوضعي الدستوري العصري القائم على التعدد والتبادلية في الحكم والحق للجميع بمنصبي القاضي والحاكم.

Advertisements
بواسطة aljazeerasy

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s