عزيز برو: نحو مناقشة الحل الفيدرالي في سورية – جمهورية سورية الاتحادية


الاخوة القراء انوه ان البحث او المشروع ( ايا كانت التسمية) كنت قد كتبته ونشرته قبل اربع سنوات ونظرا للظروف التي يمر بها وطننا السوري فانني اعيد نشره بعد ان قمت بتصحيح بعض الارقام فيه واتمنى ان تكون في قراءته فائدة لكم.

عزيز برو*
أن الغاية من وجود الدولة أو التنظيم الجماعي هو توفير الأمن للإنسان و المحافظة على حقوقه واحترامها وبالتالي فانه لا يجوز للدولة الانتقاص من هذه الحقوق, والاعتداء عليها, وهي أن قامت بذلك, تكون قد فقدت مبرر وجودها, وأصبح الخروج عن سلطانها مبررا .
يرى روسو في نظرية العقد الاجتماعي, إن الأفراد تنازلوا عن جميع حقوقهم للشخص المعنوي( الدولة ) مقابل الحصول على حقوق أخرى, هي الحقوق المدنية, وتضمن الدولة حماية هذه الحقوق لجميع مواطنيها وتحقيق المساواة التامة فيما بينهم أمامها, وبذلك يتحول الحكام إلى وكلاء مقيدين أو على حد تعبير ( روسو ) نفسه يتحولون إلى ( خدم ) يكون للأفراد حق عزلهم وتبديلهم ومحاسبتهم إذا قصروا في واجباتهم .
أذا كانت هذه هي الغاية من وجود الدولة, والمبرر لوجودها, فأي مبرر يمتلكه المدافعون عن بقايا الدول في الشرق.
لقد تحول الحكام من وكلاء للمحكومين يقومون على رعاية مصالحهم, إلى جلادين يقومون باستعبادهم, واستباحة ممتلكاتهم وحريتهم وكرامتهم , فإذا كان القانون في العصر الروماني قد وضع قيودا على استباحة دم العبيد وإذا كان العرف العشائري يلزم الشيخ بواجبات اتجاه أفراد عشيرته, وكذلك الأغا والإقطاعي كان ملزما أخلاقيا بواجبات اتجاه فلاحه, فان حكامنا اليوم فقدوا الشعور بالمسؤولية اتجاه أفراد شعبهم وتحولت السلطة بيدهم إلى وسيلة ومصدر رئيسي لتجميع الثروة وتهريبها للخارج، فلو تحولت عشر مسروقاتهم إلى مشاريع داخل البلاد, لما كان هنا في بلدنا هذا مشكلة بطالة, ولا ثلث أفراد الشعب, تحت خط الفقر وفق الإحصاءات الرسمية.
أن شعبنا اليوم فقد سلطة الرقابة على الحكام, وأصبحت سلطتهم مطلقة وخارجة عن كل قانون, واستباح الحكام الدستور الذي وضعوه هم أنفسهم والذي ذكروا فيه( أن الحرية حق مقدس وان المواطنين متساوون أمام القانون وان لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية وله الحق في التعبير عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة والتعبير بكافة الوسائل) .
أن الدستور السوري اليوم ورغم كل ما فيه من عيوب هو بحكم المعلق والبلاد بحسب إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر عن الثورة الفرنسية (1789)_ ( إن كل مجتمع لا يكفل ضمانات الحقوق ولا يأخذ بالفصل بين السلطات هو مجتمع ليس له دستور ) .
أصبحت السلطة التشريعية والتي هي روح المركب السياسي حسب قول أرسطو ميدانا لتعظيم القائد والثورة وفقدت كل استقلاليتها , إما التشريعات والقوانين فهي تصدر بمراسيم رئاسية بموجب توصيات صادرة عن الحزب ومؤتمراته القطرية وأجنداته الرجعية والعنصرية .
إن التجربة التي عاشها الشعب السوري منذ الاستقلال والى اليوم, أثبتت فشل الدولة المركزية في تحقيق الأمن والحرية والرخاء للمواطن السوري, بل على العكس ساهمت هذه الدولة والأنظمة المتعاقبة على الحكم على زرع الفتن الطائفية و القومية, وزادت من الشرخ الموجود في المجتمع وأصبحت الهوية العرقية أو الطائفية تلعب دورها في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المجتمع وتقلص دور الحركات التي تحمل برامجا وطنية، وأصبحت الأحزاب والجماعات التي تعمل على المستوى القومي أو الديني أو الطائفي هي الفاعلة على الساحة السورية, ولطبيعة المجتمع السوري فان بروز الحركات القومية والدينية واكتساحها للشارع السوري واختفاء الأحزاب الوطنية التي تؤمن بالاختلاف والتعددية في المجتمع، سيؤدي إذا ما تداركنا الأمر إلى خلق حالة من الفوضى وانهيار حتمي للدولة السورية مع بنيتها التحتية الهشة أصلا.
إن النظام يحاول بكل الوسائل إقناع الشعب السوري بان البديل للديكتاتورية هي الفوضى ولهذا يعمل هذا النظام على تسخير كل موارد الشعب السوري ويرهق اقتصاد البلد في سبيل نشر الفوضى في دول الجوار , بهدف إفشال التجارب الديمقراطية الحديثة فيها .
إن الدعم الذي يقدم للمنظمات في العراق ولبنان وفلسطين وأماكن أخرى من العالم, والميزانية الضخمة المخصصة للجيش ( والذي تحول إلى ساحة لاستعباد الشباب السوري ومصدر من مصادر الثروة للبعض ) والأجهزة الأمنية ( والتي اقتصر دورها على قمع الإنسان السوري وترهيبه ) ومساومات النظام مع الغرب بهدف الحفاظ على كرسي الحكم وزيادة قمعه لمعارضيه, والتي تتحول إلى اتفاقات اقتصادية مجحفة بحق السوريين تؤدي جميعها بالمحصلة إلى إرهاق المواطن السوري وإفقاره , بل و تجويعه ايضاً.
إن المتعارف عليه لدى جميع الدول والأنظمة التي تعمل لخدمة مواطنيها هو إن السياسة تخدم الاقتصاد وبالنظر إلى العلاقات الاقتصادية للنظام السوري نجد أنها مع دول مثل كوريا الشمالية وإيران والسودان وبالمقابل هناك قطيعة مع جميع الدول في العالم الحر, ومن ذلك نلاحظ إن النظام يربط علاقاته الاقتصادية وفق توجهاته السياسية وبالتالي فانه وبعكس القاعدة التي تقول ( إن السياسة تخدم الاقتصاد ) نجد في بلادنا إن الاقتصاد والثقافة والمجتمع جميعا خلقوا لخدمة مصالح الحزب الواحد والفكر الواحد .
الحالة المزرية التي توصلنا إليها والتفكك الحاصل في المجتمع, يستوجب علينا أن نتحلى بالمسؤولية والواقعية في أطروحاتنا السياسية .
إن اغلب المشاكل التي نعاني منها اليوم ظهرت بوادرها مع تحقيق الوحدة بين سورية ومصر وبروز الأفكار القومية بصورتها البدائية في الساحة السورية, واستلام البعث للسلطة في انقلاب (1963 ) والبدء بالمشاريع العنصري, وفيما بعد, الطائفية, وبروز نظريات غريبة على المجتمع السوري تنتمي بعضها إلى المدرسة الفاشية, أدت جميعها إلى تفكك العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع السوري, وبالتالي انتشار المحسوبية والرشوة والفساد والآفة الاجتماعية الأخطر من كل ذلك وهي الأمية وتحديدا الأمية في المسائل التي تخص الديمقراطية وحقوق الإنسان وحتى الأمية في الدين.
فمع خروج الجيش الفرنسي من سورية, وإعلان استقلال الدولة السورية, غلب الشعور بالمواطنة السورية على الانتماءات القومية والدينية، ورغم إن الدستور السوري حينها لم يعترف بالكرد والآثوريين كقوميتين رئيسيتين بجانب القومية العربية في سورية , إلا انه بالمقابل لم نلاحظ أي إجراءات عنصرية مطبقة بحق أي من القوميتين وشارك أبناء القوميتين وبشكل فعال في الحياة السياسية للبلاد.
فعلى مستوى القومية الكردية شهدنا عشرات النواب من الكرد وحتى وزراء ورؤساء وزراء، بل إن رئيس الدولة نفسه كان كرديا ولم نلاحظ أي مظاهر احتجاجية من قبل الإخوة العرب على تولي كردي لأعلى منصب في الدولة السورية, والتي يشكل العرب الأغلبية فيها، وحتى لو تجرأ بعض الشوفينيين على إظهار عنصريتهم, كانت الأبواب موصدة بوجوههم من قبل الشعب أولا والسلطات الحاكمة وقتها ثانيا , فعلى سبيل المثال قدّم احد المسئولين عن الأمن في سورية سنة 1949 اثر جولة قام بها في منطقة الجزيرة تقريرا, حذر فيه المسئولين من خطر تجمع الكرد في منطقة واحدة،وانه قد يقض مضاجع الدولة السورية بل الأمة العربية مستقبلا, وعندما وقع التقرير في يد رئيس الوزارة آنذاك, اصدر أوامره بطرد المسئول المذكور, بسبب ما ورد في التقرير من إثارة النعرات القومية وإساءة إلى تلاحم الصف السوري .
كان الشعور بالمواطنة لدى أبناء وبنات الشعب السوري في تلك الفترة قد بلغ ما بلغته الهند والتي تعتبر من اكبر الديمقراطيات في العالم اليوم فرئيس الدولة فيها مسلم ورئيس وزراء من أقلية السيخ مع العلم إن اغلب سكان الهند هم من الهندوس.
برغم ايجابيات تلك المرحلة, إلا إن الوضع السياسي في البلاد لم يعرف الاستقرار, فمنذ عام 1949 تتالت الانقلابات العسكرية, وأصبح الجيش يتحكم في مصير البلاد, ولكن لم تخلو تلك المرحلة من فترات متقطعة تعود فيها الحياة البرلمانية والنشاط السياسي ويتمتع فيها الإنسان السوري بشيء من الحرية ولعل أفضل تلك الفترات كانت من ( 1955 – 1957 ) ولكن كل ذلك انتهى مع إعلان الوحدة مع مصر.
مع انه لا يمكننا إن نقارن تلك المرحلة مع مرحلة حكم البعث, والتي وضع معها نهاية للحياة البرلمانية والتعددية السياسية والفكر الحر , إلا إن الحكام في سورية وقتها فشلوا في الحفاظ على التعددية السياسية الموجودة والحياة النيابية, وكذلك فأنهم لم يحققوا نجاحات كبيرة في مجالات التنمية الاقتصادية والبشرية, ولم يستطيعوا إن يسخّروا الإمكانات المادية والبشرية الموجودة في البلاد لخدمة مواطنيهم, وكذلك فان عدم اعترافهم بالتعددية القومية الموجودة في البلاد واعتمادهم النظام المركزي, افقدهم إحدى أهم الضمانات للمحافظة على الحرية والديمقراطية في البلاد.
اليوم وبعد مرور اربع و ستون عاما على الاستقلال, وثمانية وأربعون عاما من حكم البعث , احتلت سورية المركز الأخير بين ( 62 ) دولة في كفاءة قطاع إعمال التربية والتعليم وسوق العمل والممارسات الإدارية واحتلت كذلك المركز قبل الأخير في البنية التحتية وكفاءة المؤسسات الحكومية وتشريعات الإعمال والاقتصاد المحلي والاستثمار الدولي .
بالرغم من إن الدولة السورية لا تمتلك احتياطات نفطية كبيرة وحجم صادراتها النفطية لا يتعدى الملياري دولارا سنويا إلا إن جميع صادراتها الغير نفطية لا تتعدى هذا الرقم، والتي تتكون في مجملها من المواد الأولية الغير مصنعة, فالصناعة السورية مازالت بدائية بالمقارنة مع الدول الأخرى ومازال قطاع الزراعة في سورية يعاني من السياسات الفاشلة التي انتهجها النظام والإهمال المتعمد في السنين الأخيرة والذي بسببه هجر اغلب سكان الريف قراهم وبذلك أهملت الأرض من جهة, وتسبب هذا التدفق الهائل على المدينة إلى تفاقم مشكلة البطالة في المدن وأزمة في السكن وأخرى في تأمين الماء والكهرباء والخدمات الضرورية الأخرى.
قبل عدة سنوات كان الحكام في سورية يتحدثون عن تجربة التنمية في الصين, وعن مزايا (اشتراكية السوق ) وإمكانية نقل هذه التجربة إلى سورية .
وفي خطاب القسم الثاني للرئيس بشار الأسد تحدث عن الاستفادة من تجربة دولة أخرى من دول جنوب شرق أسيا وهي ماليزيا .
فماليزيا دولة إسلامية ويبلغ عدد سكانها ( 20 ) مليون نسمة أي أنها تعتبر من أكثر الدول الأسيوية التي حققت معدلات عالية من النمو والتي يمكننا الاستفادة من تجربتها.
– إن رئيس الوزراء الماليزي الأسبق الدكتور مها تير محمد حينما طرح مشروعه للتنمية طرحه تحت عنوان ( ماليزيا كشراكة) أي اعتبارها شراكة بين الأغلبية التي يتكون منها الشعب الماليزي ذو الأصل المالايي والأقلية الصينية, وشراكة بين الفئات الاجتماعية المختلفة, وشراكة بين القطاعين العام والخاص.
اعتمدت ماليزيا وبشكل أساسي على الاستثمارات الأجنبية فلقد بلغ حجم هذه الاستثمارات 71 % من جملة الاستثمارات في ماليزيا, وذلك بفضل التسهيلات التي قدمتها الحكومة الماليزية للمستثمرين الأجانب, الذين منحوا حق الملكية الكاملة إذا تمكنوا من تصدير 80% من إنتاجهم, أو إذا زاد عدد العاملين لدى المستثمر الأجنبي عن 350من العمال الماليزيين, إما في سورية فبالإضافة إلى علاقاتنا المتوترة مع معظم دول العالم, فان الشرط الوحيد للاستثمار هو إن يكون احد المسئولين شريكا لك.
– إن أي مقارنة بسيطة وبلغة الأرقام بين الوضع المعاشي في سورية وأي من الدول في جنوب شرق أسيا والتي كتب عنها احد الاقتصاديين سنة ( 1968 ) تحت عنوان ( المأساة الأسيوية ) نظرا لما كانت تعانيه من فقر وتأخر في النمو , سنرى أنها تخطتنا بعشرات السنين في مجالات التنمية الاقتصادية والبشرية وأصبحت في مصاف الدول المتقدمة والتي تبحث عن أسواق جديدة لصادراتها، وحتى اليوم هي تعمل كل ما من شانه لجذب الاستثمارات إليها، وأصبحت تمتلك رصيدا ضخما من المعرفة, في نفس الوقت الذي نلاحظ فيه تفشي الفقر والبطالة والأمية بيننا وعودة العلاقات العشائرية والأصوليات الدينية والعصبيات القومية, ومازال النظام يراهن على صفقة مع الخارج تنتشله مما هو فيه بدون أي شعور بالمسؤولية اتجاه ما حل بالبلاد فدولة كسورية بلغ حجم صادراتها الغير نفطية ( 1865) مليون دولار, بالمقارنة مع دولة مثل سنغافورة لا يتجاوز عدد سكانها ثلاث ملايين ونصف المليون نسمة ومساحتها ( 250 )كم بلغ حجم صادراتها (124794 ) مليون دولار أو ماليزيا والتي بلغت حجم صادراتها ( 78151 ) مليون دولار هذا بالإضافة إلى نوعية هذه الصادرات وهنا نريد إن ننوه بان ماليزيا وسنغافورة لا تمتلكا أي صادرات نفطية .

قيام الدولة السورية
– كشف الثوار الروس بعد نجاح ثورتهم سنة 1917 النقاب عن اتفاقية استعمارية, كانت قد وقعت في الخفاء بين كلا من روسيا – بريطانيا وفرنسا , تهدف إلى توزيع تركة الرجل المريض ( على حد تعبير القيصر الروسي ) ووضعت هذه الاتفاقية الخطوط الأولى في خارطة المنطقة في تلك الفترة.
– خرج الشريك الروسي من اللعبة بعد الإطاحة بالقيصر وحكمه وكان لهذا التغيير في روسيا أثره الكبير على خارطة المنطقة فحسب اتفاقية أيار( 1916 ) وصلت حدود الدولة السورية والتي كانت ضمن النفوذ الفرنسي إلى حدود كردستان إيران , من أعالي أورمية إلى أعالي رواندوز لتضم اغلب أراضي ولاية الموصل العثمانية كان هدف الانكليز من وراء منح هذا الشريط من البحر إلى حدود الدولة الإيرانية للفرنسيين , هو جعل الفرنسيين كحاجز بين مناطق نفوذهم والدولة القيصرية .
إما وبعد انهيار روسيا كقوة إمبراطورية, وظهور البلشفية من جهة , ووجهة الحرب التي تنبأ بأنها ستنتهي لمصلحة الحلفاء, والواقع على الأرض , حيث كان عدد الجنود البريطانيين في المنطقة يبلغ أكثر من مليون مقاتل في مقابل قوة فرنسية لا تذكر بالمقارنة معها, وكذلك حجم التضحيات الكبيرة للانكليز حيث قدموا أكثر من (125 ) إلف قتيل في صراعهم مع الدولة العثمانية, على جبهتي العراق ومصر , بالإضافة إلى إن الفرنسيين كانوا بحاجة إلى دعم بريطانيا في أمور تخص أوربا, ومنها إعادة ترحيل الألمان عن الأراضي الفرنسية.
– كل هذا إلى جانب إطماع بريطانيا في نفط ولاية الوصل أدى بالطرفين الفرنسي والانكليزي إلى تعديل اتفاقية ( سايكس بيكو) لتتنازل فرنسا عن ولاية الموصل لصالح بريطانيا, بالقابل تضمن مغادرة الجيش الانكليزي لمناطق نفوذها في سورية .
– أما الشكل القانوني لبقاء الفرنسيين والانكليز في المنطقة فلقد اقر في هدنة مودرس في 30 تشرين الأول 1918 حيث قرر الحلفاء اختيار دولة من بينهم تقوم بالوصاية ( الانتداب )*
*(نص ميثاق عصبة الأمم بشان نظام الانتداب على ما يلي :تنتدب العصبة من تراه لإدارة الشعوب المتأخرة سياسيا وتكلف ممثليها ومندوبيها بالعمل على الارتقاء بالوعي القومي والسياسي ومستويات المعيشة والصحة العامة والأخلاق, ومن اخص واجباتها تمرين هذه الشعوب على الحكم الذاتي, لان هذه الشعوب وديعة إنسانية بين يدي شقيقاتها من الدول الكبرى)
على البلاد التي كانت ضمن الإمبراطورية العثمانية بحجة أنها غير قادرة على إدارة أمورها بنفسها 0 وقسمت المنطقة بشكل نهائي في مؤتمر سان ريمو ( 19 – 26 ) نيسان (1920) فكانت سورية وبضمنها لبنان من حصة فرنسا. -انفصلت لبنان نهائيا عن الدولة السورية عام (1920) بعد عدة أشهر فقط من إقرار الحكم الذاتي له في المؤتمر السوري العام, الذي كان قد انعقد في الثامن من آذار من نفس العام .
-قسمت البلاد إلى خمس دويلات هي دمشق -حلب- دولة للعلويين – دولة للدروز –و لواء اسكندرونة. -توحدت دولتا حلب و دمشق ضمن الدولة السورية والتحقتا بهما دولتا الدروز و العلويين, ولكنهما انفصلتا مجددا عام (1937) لتعودا بعد ذلك و بشكل نهائي للتوحد مع الدولة السورية, اما لواء الاسكندرون فلقد اقتطع وبشكل نهائي سنة (1939)والتحق بالدولة التركية.
-ثبتت الحدود بين الدولتين التركية والسورية بموجب اتفاقية فرنسية –تركية عقدت في لندن في 9 آذار (1921) عدلت بعد عدة أشهر في أنقرة , و لحقتها عدة تعديلات أخرى . – كنتيجة لما سردناه نلاحظ إن الحدود الحالية للدولة السورية لم تراعي الاختلافات العرقية للمواطنين و لا رغباتهم ،وكذلك لم تأخذ بالحدود الإدارية للولايات العثمانية السابقة, بل وضعت بموجب اتفاقيات استعمارية وزعت فيها تركة السلطان العثماني كغنيمة حرب بين الحلفاء.
-وكذلك فان المنطقة لم تشهد دولا قومية إلا بعد انهيار الدولة العثمانية, ونجاح الثورة العربية, وقيام الدولة التركية الحديثة كتقليد للنظم الغربية على يد مؤسسها مصطفى كمال , ثم انتشر مفهوم الدولة القومية بمباركة من الدولة الغربية.

اللامركزية السياسية

نص ميثاق الأمم المتحدة في مبدأ حق تقرير المصير البند الثالث على : حق الشعوب في اختيار نظام الحكم الذي تفضله.
– إن نظام الحكم المركزي المطلق الذي اعتمدته الدول القائمة في الشرق الأوسط لم يتم وفقا لرغبة الشعوب وإنما فرضت هذه الأنظمة على شعوب المنطقة بمساعدة مباشرة من القوى العالمية في المعسكرين.
ففي بلدان كانت الثقافة الديمقراطية فيها ما تزال في بدايتها, و مع تركيز كل الوظائف في يد هيئة واحدة تمثل السلطة المركزية في العاصمة, و مع الدعم الذي كانت تتلقاه المؤسسات العسكرية في ظل الحرب الباردة كل تلك الأسباب مهدت الطريق إمام العسكر للقيام بانقلابات على الديمقراطيات الوليدة, ووصول أنظمة قومية بدائية وأخرى قائمة على أسس طائفية الى الحكم في المنطقة.
إننا اليوم وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي, وبفضل ثورة المعلومات, وانتشار الثقافة الديمقراطية, والثورات البرتقالية على مستوى العالم نرى إن الأنظمة القائمة في المنطقة, لن تستطيع الاستمرار بشكلها الحالي, وليس إمامها أي سبيل سوى العودة إلى الشعوب واحترام رغباتها في اختيار حكامها وانظمة الحكم التي تناسبها.

تاريخ الدولة اللامركزية في المنطقة

بداء الكثير من انصار الفكر الديني المتشدد او القومي الضيق ينظرون الى اللامركزية السياسية كانها فكرة دخيلة على المنطقة وهي بدعة من بدع الغرب الاستعماري المسيحي ،تهدف من ورائها دول الغرب الى شق صفوف المسلمين استكمالاً للحملة الصليبية التي بدأت منذ اكثر من الف عام.
مع اننا لا نرى في الامر اي نقيصة ان نستفيد من تجارب الاخرين، ولكن مع ذلك لابد ان نصحح معلومات البعض و نعود الى تاريخنا لنرى ان الشرق كان اول من طبق نظام اللامركزية في الحكم ،فلقد كانت الدولة السومرية التي قامت في جنوب العراق قبل خمسة الاف عام دولة دينية إتحادية. تكونت من إتحاد المدن السومرية الخمس (أريدو- بادتبييرا- لرك- سبار- شروباك)، أما في سورية فكانت المدن الأمورية تتحد بقيادة حلب لمواجهة الآشوريين، كما أن الآراميين فيما بعد لم يعرفوا نظام الدولة المركزية. وإنما كانوا يتحدون في شكل دولة إتحادية، بقيادة دمشق، كلما واجههم خطر خارجي، كالآشوري في الشرق و العبري في الجنوب.
عرفت الدولة الإسلامية نظام اللامركزية في الحكم منذ عهد الخلفاء الراشدين فلقد تمتعت أرمينيا باستقلالها الذاتي و حافظت على لغتها و كنيستها مستقلة عن الدولة الإسلامية و حكمت من قبل أمراء أرمن كان أولهم (جريجور ماميكونيان ) وحارب الجيش الارمني مع المسلمين ضد الخزر , ومنذ عام (719) م ألغيت الجزية المفروضة على الإمارة الارمنية .
كان الولاة في ظل الدول الإسلامية المتعاقبة يتمتعون بصلاحيات واسعة في ولاياتهم وكانت هناك ولايات شبه مستقلة عن جسم الدولة .
– بعد قيام الدولة العثمانية اصدر السلطان سليم ياووز سنة (1515) م فرمانا سلطانيا ينص على الاعتراف للأمراء الكرد بإدارة ست عشرة إمارة عشائرية في شمال شرق الإمبراطورية , على إن يقدموا الجيوش للدولة حينما تشتبك مع دولة أجنبية، تحولت الدولة العثمانية بعد ذلك إلى الحكم المركزي منذ عهد محمود الثاني وحتى عهد السلطان عبد العزيز سنة (1876) ليصدر بعد ذلك قانون الولايات العثماني الذي صدر في عام (1864)على يد الصدر الأعظم فؤاد باشا حيث كان يعمل هذا القانون على إشراك الأهالي في إدارة أمور ولايتهم بالتعاون مع اسطنبول, وكان القانون ينص على أن تندمج ولايات الدولة في ولايات أوسع يتولى إدارتها نخبة من الرجال ذوي الكفاءة على إن لا يتصلوا بالعاصمة إلا للأمور بالغة الأهمية, وبموجب هذا القانون قسمت الدولة العثمانية إلى 27 ولاية في كل منها عدة سناجق وكل سنجق يضم عدة أقضية و كل قضاء ينقسم إلى عدة نواحي و قرى، وكان الوالي يتمتع بسلطات واسعة في ولايته, وأقيم في مركز الولاية والسنجق والقضاء مجالس إدارية تتعاون في الإدارة المحلية في كل منها، ويتألف المجلس الإداري في الولاية من ثمانية أشخاص هم :الوالي و معاونه (الكتخدا) ومأمور المالية (الدفتردار )والقاضي مع أربعة آخرين من ممثلي الأهالي ينتخبون بطريقة معقدة و يمثلون المسلمين والمسيحيين في الولاية .
ضمن قانون الولايات استقلالية القضاء عن السلطة التنفيذية في الولاية, وكانت كلًا من الشؤون المدنية والأمنية والسياسية والقضائية تتبع للولاية, حيث كان على رأس كل منها مدير بالإضافة إلى وجود مدير الشؤون المالية, وكانت علاقته مباشرة بوزير المالية في العاصمة .
كانت السلطة التشريعية في الولاية مؤلفة من أربعة مندوبين عن كل سنجق تجتمع مرة واحدة في السنة.
– إما السبب وراء إصدار قانون الولايات هذا فكان نتيجة للنجاحات التي حققها الوالي مدحت باشا في عدة ولايات في البلقان.
كانت أهم مبادئ مدحت باشا هي تحقيق المساواة بين رعايا السلطنة و اختيار الأكفاء منهم وإشراك الأهالي في إدارة أمور ولاياتهم, وكان اينما حل, يبعث برسائل الى العاصمة, يطلب فيها من السلطات، أن تبتعد عن الحكم المركزي وأن تتحول إلى النظام اللامركزي في الحكم، ورغم كل نجاحاته , إلا أن السلطان عبد الحميد لم يشأ إلا أن يرتبط اسمه بكل أوجاع ومفاسد تلك الفترة حيث قام بإلغاء قانون الولايات و تمسك مجددا بالنظام المركزي المطلق والذي كان من أهم أسباب انهيار السلطنة العثمانية وتفتيت الشرق وتحكم الآخرين به.
لقد أقرالمؤتمر السوري العام المنعقد في 8 آذار سنة (1920 )في دمشق تطبيق نظام اللامركزية في الحكم، فنظام اللامركزية السياسية هي من أكثر أنواع أنظمة الحكم ملائمة لحكم هذه المنطقة وأكثرها نجاحا على مستوى العالم , فليس صدفة إن أكثر دول العالم تقدما و رقيا هي الأخذة بنظام اللامركزية السياسية في الحكم.

تعريف اللامركزية السياسية
اللامركزية السياسية تعريفا هي :نظام يتعلق بشكل نظام الحكم السياسي في الدول المركبة حيث تتوزع مظاهر السيادة الداخلية بين دولة الاتحاد المركزي والأقاليم التابعة لها مع تمتع كل إقليم باستقلاله الذاتي في مباشرة سلطاته التشريعية والتنفيذية والقضائية .
إما بالنسبة لمظاهر السيادة الخارجية فإنها تبقى من ضمن صلاحيات الحكومة الاتحادية مع إن دساتير بعض الدول سمحت للأقاليم بان تنضم إلى هيئات دولية كما ورد في دستور الاتحاد السوفييتي السابق حيث أباح لبعض ولاياته حق الانضمام إلى هيئات دولية كهيئة الأمم المتحدة فأصبح بذلك يمتلك ثلاث أصوات داخل هذه الهيئة بعد انضمام كل من أوكرانيا و روسيا البيضاء إليها .
وكذلك فان الدستور الألماني يعطي الحق للأقاليم بإبرام المعاهدات وتبادل التمثيل الدبلوماسي (ولكن المسؤولية عن أي عمل تقوم به سلطات الأقاليم يقع على عاتق الحكومة الاتحادية ).
لنظام اللامركزية السياسية مزايا كثيرة منها قدرته على توحيد عدة أقاليم ذات نظم مختلفة فضلا عن الاختلافات العرقية والدينية في دولة اتحادية قوية تحافظ على مزايا وحدة الدولة, وتحقق رغبة سكان الأقاليم في الاستقلال, و ذلك بان يديروا شؤونهم الداخلية بعيدا عن تدخلات المركز.
_إن نظام اللامركزية السياسية يتباين من دولة اتحادية إلى أخرى من حيث حجم الصلاحيات الممنوحة للأقاليم, ففي بعض الدول كانت جميع الأمور الداخلية تبقى من اختصاص الولاية أو الإقليم وكانت الحكومة الاتحادية تختص فقط بمظاهر السيادة الخارجية وكان يسمى هذا الاتحاد بالاتحاد الفعلي أو الحقيقي .
إما الشكل الأكثر انتشارا لنظام اللامركزية السياسية فهو نظام الاتحاد المركزي ( الفيدرالي ) والذي تتوزع فيه مظاهر السيادة الداخلية بين الإقليم والمركز, وتبقى مظاهر السيادة الخارجية تابعة للمركز وتختلف الدول الأخذة بالنظام الفيدرالي من حيث حجم صلاحيات كلا من المركز و الأقاليم فبعض الدول قلصت من صلاحيات المركز لصالح الأقاليم ومن هذه الدول (الولايات المتحدة الأمريكية –ألمانيا –سويسرا )ومنها من قلص من صلاحيات الولايات لصالح المركز (كالهند –كندا –فنزويلا )
لقد أثبتت التجارب العملية لاختبار النظم, إن نظام الدولة الاتحادية (الفيدرالية )هو الأكثر ملائمة والأكثر قربا من بلوغ الديمقراطية المباشرة والتي تعني حكم الشعب المباشر, والنظام الوحيد القادر على حماية وحدة الدول التي تتكون من أعراق واديان متعددة, وهو النظام القادر على الحفاظ على خصوصية كل إقليم ورغبة سكانه في اختيار شكل الحكم الذي يرغبونه والقوانين التي تتلاءم مع خصوصياتهم
-إن اعتماد النظم المركزية المطلقة من قبل جميع دول المنطقة, قد مهد الطريق إمام العسكر للوصول إلى سدة الحكم, واحتاج الحكام الجدد إلى تبني نظريات وأفكار عرقية أو دينية متشددة بهدف الحفاظ على الحكم, ووأد الديمقراطيات الناشئة ليتحول الانقلابيون بعد إن تجمع حفنة من المتطرفين والوصوليين حولهم إلى دكتاتوريات أزالت ما تبقى من التعددية والحريات العامة مما أدى بالشعوب عامة والأقليات القومية خاصة إلى اللجوء إلى العنف كطريق وحيد لتحقيق الحرية والمساواة وإزالة الظلم المضاعف الواقع عليها.
– إن النظم المركزية المطلقة هي اكبر خطر يهدد الشراكة بين شعوب المنطقة ووحدة دولها,
لهذا فإننا نرى إن اعتماد نظام اللامركزية السياسية واحترام رغبة السكان في تشكيل أقاليمهم الفيدرالية وفق خصوصياتهم ,ضمن حدود الدول القائمة اليوم سيؤمن الاستقرار لجميع دول المنطقة و سيكون من حقنا حينها أن نسعى لوضع اللبنات الأولى في مشروع وحدة الشرق الأوسط الاقتصادية والسياسية والدفاعية, لنتحول إلى قوى قادرة على الحفاظ على مصالح شعوبنا, وسط التكتلات الاقتصادية والسياسية والعسكرية المتحكمة في العالم اليوم وفي منطقتنا على وجه الخصوص

القضية الكردية

الشعب الكردي كباقي شعوب العالم له الحق في تقرير مصيره و بناء دولته القومية المستقلة (كردستان) وتوحيد أجزائها الأربعة, وذلك وفقا للقوانين الوضعية والشرائع السماوية .
فلقد نص ميثاق الأمم المتحدة في المبدأ الثاني ,مبدأ حق تقرير المصير على :
1-حق الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي في تقرير مصيرها .

2-حق تقرير المصير يتضمن استفتاء الأقاليم التي تكون هناك ظروف خاصة تبرر فصلها عن إقليم دولة معينة و ضمها لدولة أخرى أو استقلالها كلية.
وكذلك نص الإعلان الذي صدر في ديسمبر (1960) والذي عرف (بإعلان منح الاستقلال للبلدان و الشعوب المستعمرة ) على
1-إن إخضاع الشعوب للاستعباد الأجنبي و سيطرته واستغلاله يمثل إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية و ينقض ميثاق الأمم المتحدة و يعيق قضية السلم و التعاون العالميين .
2- لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها و لهذا و بمقتضى هذا الحق يكون لها إن تحدد بحرية مركزها السياسي, وتسعى بحرية إلى تحقيق تقدمها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي .
3-يجب عدم اتخاذ تأخر الاستعداد في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي ذريعة لتأخير الاستقلال .
4- وضع حد لجميع أنواع الإعمال المسلحة والتدابير المعيقة, الموجهة ضد الشعوب غير المستقلة لتمكينها من الممارسة الحرة السليمة لحقها في الاستقلال التام واحترام سلامة إقليمها القومي.
5- البدء في اتخاذ التدابير الفورية اللازمة في الأقاليم المشمولة بالوصاية أو الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي أو جميع الأقاليم التي لم تنل بعد استقلالها لنقل جميع السلطات إلى شعوب تلك الأقاليم دون قيد أو شرط…………..الخ.
– للأسف بقيت هذه الحقوق حبرا على ورق في بطون الكتب القانونية ولا يعمل بها إلا حين تتفق مع مصالح الدول العظمى .
– قال الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران (الأمة الكردية امة عظيمة ظلمها التاريخ) وكنا نتمنى أن يستعيض عن كلمة التاريخ بمصالح فرنسا وبريطانيا و حلفائهم .
-قسمت كردستان العثمانية بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى بين ثلاث دول هي : تركيا –العراق –سورية, وكما نوهنا سابقا فان الحلفاء لم يأخذوا في الحسبان في تقسيماتهم ,الاختلافات العرقية والثقافية ووضعت الخارطة السياسية للمنطقة وفق مصالحهم وبعكس إرادة الشعبين العربي والكردي.
-آمن الشعبان ومنذ إعلان الدولة السورية بالعيش المشترك وبدئا مسيرة النضال التي شارك فيها جميع مكونات المجتمع السوري , فكانت معركة ميسلون والتي سقط فيها يوسف العظمة كأول شهيد من أصل كردي دفاعا عن الوطن السوري في وجه المستعمر الفرنسي ,ومن ثم اندلعت الثورات من أقصى الشمال الشرقي في بياندور وعامودا إلى جبال الكرد و جبل العلويين امتدادا إلى جبل الدروز و دمشق و تمكن الشعب السوري من إجلاء أخر جندي فرنسي عن أرضه في 16 نيسان عام (1946).
-كانت مشاركة الكرد في النضال ضد المستعمر الفرنسي مشاركة حقيقية و ربما فاقت نسبة مشاركتهم نسبتهم إلى عدد السكان .
– وبعد التحرير شارك الكرد في الحياة السياسية في البلاد و لكنهم أيضا كانوا يطمحون إلى المشاركة الحقيقية كشركاء في هذا الوطن, و ناضلوا لأجل الاعتراف الدستوري بهم كقومية رئيسية ثانية في البلاد .

الحركة السياسية الكردية في سورية
تأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية في الرابع عشر من حزيران (1957) على يد مجموعة من المثقفين والعمال و كان في مقدمة هؤلاء الشخصيتين المرموقتين في تاريخ الحركة الكردية في سورية , الأول (آبو) اوصمان صبري, والثاني الدكتور نور الدين ظاظا والذين تحولا فيما بعد إلى مدرستين فكريتين و أصبحا الآباء الروحيين لفكر اليسار واليمين الكرديين .
وبالعودة إلى الأسباب التي مهدت لقيام الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية
فسنوردها فيما يلي :
1- عدم الاعتراف بالقومية الكردية كقومية ثانية في البلاد إلى جانب القومية العربية من قبل الحكومات السورية المتعاقبة .
2- ظهور أحزاب قومية عربية تحمل برامج عنصرية, كان البعض منها ترجمة لبرامج الفاشية في ايطاليا .
3- نشوء أحزاب كردستانية في الأجزاء الأخرى من كردستان, كالحزب الديمقراطي الكردستاني –إيران , والحزب الديمقراطي الكردستاني –العراق والنضال التحرري الذي خاضته تلك الأحزاب في بلدانها .
4- عدم إدراج الحقوق المشروعة للشعب الكردستاني في سورية في برامج الأحزاب السورية الوطنية, والتي كانت توصف بالتقدمية ونخص منها الحزب الشيوعي السوري الذي انتسب إليه الكرد بكثرة وذلك بهدف تحقيق المساواة التامة بين جميع مكونات الشعب السوري من جهة ولحمله راية البروليتارية في الصراع الطبقي من جهة أخرى .
وللأسف فان هذا الحزب والذي كان يدافع عن الحركة التحررية في جميع أصقاع العالم وصل به الأمر إلى طرد أمثال الشاعر الكردي الكبير جكرخوين من صفوفه بسبب مواقفه القومية الشجاعة .
يقول لينين عن أمثال هؤلاء الشيوعيين :(ليس بماركسي حتى ولا بديمقراطي من لا يقر بالمساواة في الحقوق بين القوميات واللغات ولا يدافع عنها ومن لا يناضل ضد كل اضطهاد قومي وضد كل عدم مساواة قومية) .
– تم اعتقال العديد من قيادات وكوادر الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية في الحملة التي شنتها حكومة الوحدة عليهم في 12 آب (1960).
-داخل السجن قام الدكتور نور الدين ظاظا بطرح أفكار جديدة أكثر واقعية ولكنها أحدثت شرخا في صفوف الحزب, استمر هذا الخلاف إلى ما بعد تحريرهم من السجن .
– رغم الاستقطاب الجماهيري الذي حققه ( البارتي ) كما كان يسمى في الشارع الكردي إلا إن الاختلافات الجوهرية بين قيادييه انفجرت, لتعلن عن قيام اليسار واليمين الكرديين عام (1965) ولكن بمقاييس محلية لكلمتي اليمين واليسار .
-دعا الملا مصطفى البر زاني إلى مؤتمر توحيدي لقيادة الحزبين في شهر آب (1970) وأعلن المؤتمر عن قيادة جديدة للحزب الديمقراطي الكردي و استبعد من القيادة كلا من القيادات السابقة.
لم تمض سنة على القيادة المرحلية ليعاود الحزبان السابقان نشاطهما ولتتوالى بعد ذلك الانقسامات (الهيدرية) والولادات الجديدة , لنصل اليوم إلى اثني عشر حزبا وتيارا سياسيا في الداخل وعدد آخر لا يمكن تحديده في الخارج .
– ما يعيب برامج الأحزاب الكردية , أنها تنظر إلى الواقع من جانب واحد ,فمعظم هذه البرامج تدور في فلك المطالب الكردية وبقيت بمعزل عن تطلعات القوميات الأخرى المتعايشة معها على الأقل في الجزيرة وريف حلب .
– كما إن عدم وضوح المطالب الكردية والضبابية الموجودة داخل برامج أحزاب الحركة ،اضعف إقبال أبناء و بنات القومية الكردية عليها من جهة وكذلك أججت المخاوف لدى القوميات الأخرى المتعايشة مع الكرد في المنطقة .
– إن موجة الانقسامات المتكررة داخل الحركة الكردية وتهم العمالة والتخوين المتبادلة فيما بينها ,أفقدت القضية الكردية في سورية الكثير من قوتها, وأحدثت قطيعة بين الشارع الكردي والحركة السياسية الكردية وجعلت الشارع الكردي يتساءل عن جدوى وجود مثل هذه الأحزاب والتيارات .
لقد فشلت جميع المحاولات المتكررة لتوحيد صفوف الحركة الكردية منذ بداية السبعينات والى اليوم واستهلكت جميع التسميات –كالوحدة والتحالف والجبهة وما إلى ذلك .
إن السبب الرئيسي وراء هذه الانقسامات والفشل في تحقيق التقارب بين إطراف الحركة الكردية يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الثقافة الديمقراطية وعدم وجود المؤسسات داخل أحزاب هذه الحركة, وبالتالي فالقرارات تكون فردية والأولوية تكون للمصالح الشخصية ومن ثم الحزبية فالقومية .
– كذلك فان الأنظمة الداخلية المعمول بها إلى اليوم ,تعود بالأساس إلى النظام الداخلي للحزب الشيوعي الروسي الذي اقر سنة (1905)مع إدخال بعض التعديلات على هذا النظام ,إلا إن التعديلات لم تكن كلها ايجابية, و تمتاز الأنظمة الداخلية لهذه الأحزاب بالمركزية المطلقة وكذلك فإنها تهمش دور القواعد الحزبية, وتفتقد كل الأحزاب الكردية إلى الآليات التي يتم فيها تقييم عمل القيادات الحزبية وبالتالي محاسبتها عندما تخطيء .
– رغم أهمية المرحلة إلا إن الحركة الكردية اليوم هي في اضعف مراحلها ,فهي لم تستطع إن تجاري التطورات المتسارعة في المنطقة وكذلك لم تستطع كسر الحاجز بينها وبين الجماهير.
إن المرحلة اليوم تتطلب السرعة في إحداث إصلاح داخلي حقيقي لدى إطراف الحركة، لتبدأ أولا بإعادة النظر في برامجها وبالأسس التي بنت عليها هذه البرامج سنة (1957)0
فبقاء الأحزاب الكردية في إطارها العرقي الضيق, و رؤية الواقع من منظورها القومي وعدم الانفتاح على القوميات الأخرى وتهميش حقوقها في برامج الأحزاب القومية الكردية، كل هذا يصب في خانة السلطة وخير دليل على ذلك إننا كردا وعربا واثوريين في منطقة الجزيرة نمارس عملنا السياسي بدون أي عوائق حقيقية من قبل السلطة رغم معرفتنا بأنها ليست بهذا الكرم, فنحن بهذا الشكل من النضال نحافظ على توزن القوى المضادة , هذه السياسة التي جعلت الانكليز يتحكمون بالعالم لمئات السنين والتي ينتهجها النظام السوري في الجزيرة وخاصة في السنين الأخيرة .
كذلك فان على أحزاب الحركة الكردية أن تقوم ببناء المؤسسات و توزع الصلاحيات وان تقوم بإشراك القواعد الحزبية في القرارات المصيرية وفق آليات الديمقراطية شبه المباشرة و احترام الرأي الأخر وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب.
كذلك فان على أبناء وبنات القومية الكردية الالتحاق بالحركة الوطنية السورية والنضال ضمنها لتحقيق طموحهم في المساواة التامة بين جميع مكونات المجتمع السوري, ويجب علينا أن لا نتوهم إن الأحزاب القومية أو الدينية ستكون بديلا عن الأحزاب الوطنية, فالقضية الكردية وقضايا الديمقراطية الأخرى لا يمكن إن تحل إلا عن طريق الأحزاب الوطنية ووفق سياسة التوافق الوطني وان أي تقدم تحرزه القضية الكردية هو بالضرورة خطوة نحو بلوغ الديمقراطية في البلاد وكذلك فان أي إصلاح ديمقراطي سيعتبر خطوة نحو حل القضية الكردية, فلا يمكن بأي شكل من الإشكال الفصل بين القضيتين بل إن القضية الكردية هي جزء من قضية الديمقراطية في البلاد وواجب النضال لأجل الاعتراف الدستوري بالقومية الكردية و مساواتهم مع غيرهم من المواطنين يقع على عاتق العرب السوريين قبل الكرد , فالعرب هم الأغلبية وهم ملزمون بالحفاظ على حقوق القوميات الأخرى كالكرد والآثوريين .
و كذلك فان احدنا لا يتصدق على الأخر عندما يعترف بحقوقه, فتحرير الكردي وحده كفيل بتحرير العربي وتحريرهما سيكون وهماً, بدون الاعتراف بحقوق الآثوري وان مدى احترامنا لحقوق الأقليات الصغيرة الأخرى المتعايشة معنا يعبر عن مدى تفهمنا للقيم الديمقراطية.
– يقول الأستاذ جاد الكريم الجباعي (تبنى الوحدة الوطنية على مبدأ الحرية, للأكراد في سورية والعراق حق متساو في الاستقلال والاندماج وليس بوسع أي امة أن تفرض حتى السعادة على غيرها من دون أن تقوض أركان سعادتها هي ذاتها ).
– إن منح الكرد أي شيء اقل من المساواة التامة في الحقوق القومية مع شركائهم العرب في الوطن سيفاقم المشكلة بشكل اكبر في المستقبل, وسيكون ذلك دائما سببا في عدم الاستقرار وخلق البيئة المناسبة لاستمرار النظم العسكرية والدكتاتورية وبالتالي زيادة الشرخ في العلاقات الكردية العربية ليصبح بعدها التعايش مستحيلا والانفصال حتميا بعكس ما تتطلبه مصلحة الطرفين.
جمهورية سورية الاتحادية
يقول الأستاذ برهان غليون : (علينا أن ننمي قيم الديمقراطية , قيم المساواة , قيم الإنسانية في مقابل ما ينمو في هذا الخراب من قيم الطائفية، قيم التعصب، وقيم العداء المشترك، و قيم غياب الثقة بالأخر وقيم الشك والتشكيك بالنوايا والتخوين …………..)
– لقد تحول الإنسان في مجتمعاتنا الشرقية إجمالا إلى وسيلة للوصول إلى أهداف قومية أو دينية أو حتى طائفية .
– لذا علينا إن نعيد القدسية لحرية الإنسان وسعادته و أمنه ليكون الإنسان هو الغاية بحد ذاتها .
– تنطلق أطروحتنا هذه في أساسها من عدة نقاط :
1- الاعتراف المتبادل فيما بين القوميات السورية الرئيسية الثلاث (العرب – الكرد- الآثوريين ) وإنهاء السياسات العنصرية بحق الكرد والآثوريين و إزالة نتائجها السابقة , ليعود الشعور بالمواطنة السورية لدى أبناء وبنات القوميتين الكردية والآثورية ولنزيل الشعور بالاضطهاد لديهم ونفّعل مشاركتهم في الحياة السياسية و الاجتماعية والاقتصادية في البلاد ليصب ذلك في خدمة الشعب السوري عامة .
2- تحويل المحافظات السورية إلى أقاليم, وفق نظام اللامركزية السياسية, بحيث يتمتع سكان هذه الأقاليم بسلطاتهم التشريعية والتنفيذية والقضائية, و احترام خصوصية كل إقليم ونظام الحكم الذي يفضله سكان الإقليم على إن لا يتعارض ذلك مع المعايير الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان, مع ضرورة احترام رغبة سكان عدة محافظات عندما تريد إن تندمج في إقليم واحد,
كما يجب احترام رغبة سكان أي منطقة أو ناحية يريدون الانفصال عن إقليم ما والانضمام إلى إقليم آخر, ويتم ذلك بموجب استفتاء يتم في المنطقة أو الناحية مع استفتاء مماثل في الإقليم الذي ينوون الانضمام إليه , كما يجب السماح بقيام مناطق ذات إدارة ذاتية في المناطق أو النواحي التي تمتلك خصوصية ما داخل أي إقليم .
– تبقى مظاهر السيادة الخارجية والأمور الجمركية والسياسة النقدية والجيش من ضمن صلاحيات الحكومة الاتحادية أما مظاهر السيادة الداخلية فيجب توسيع دور الأقاليم إلى الحدود التي لا يتهدد معها وحدة البلاد فكلما تقلص دور المركز و زادت صلاحيات الأقاليم صب ذلك في خدمة سكان الأقاليم و بالتالي في خدمة الشعب عامة .
– يجب أن تتمتع مجالس المدن والنواحي والبلدات بصلاحيات واسعة مع اعتماد نظام الديمقراطية المباشرة في المناطق قليلة السكان والتي لا يوجد فيها معوقات لذلك
– فالسلطة يجب أن توسع بيد عامة الشعب و تقل كلما اتجهنا نحو المركز .
– اللامركزية تبدأ من العلاقات العائلية فحرية الفرد هي غايتنا الأساسية وبالتالي علينا العمل للحد من النظام البطرياركي ومنح الحرية بشكل اكبر للإفراد والابتعاد عن القيود العائلية و بعض العادات السيئة التي كبلت حرية الفرد وأفقدته الثقة بنفسه وبالتالي تحول إلى أداة طيعة و فقد إرادة المقاومة .
إن إعادة الحرية للإفراد هو الشرط الأول والأساسي لبنائهم ومع إعادة بنائهم يمكن أن يعود لنا دورنا الحضاري الذي مارسناه في الشرق لآلاف السنين .
– إن اعتماد نظام اللامركزية السياسية وتحويل المحافظات إلى أقاليم فيدرالية, سيحافظ على خصوصية سكان كل محافظة وسيحقق الرغبة بالاستقلال لديهم, وخاصة المحافظات التي تمتاز بتعددية دينية أو قومية ,وكذلك فإنها ستبعد أبناء القوميات الأخرى كالكرد والآثوريين والطوائف الأخرى كالعلويين الدروز عن العقلية القومية أو الطائفية الضيقة, وتحافظ بنفس الوقت على وحدة البلاد واستقلالها و ستبعد التدخلات الخارجية كما أنها ستنمي اقتصاد البلاد , فسكان حلب مثلاً هم أكثر الناس معرفة ًبمتطلبات التنمية في إقليمهم وهم أكثر من سيعمل على تطويره وبالتالي فان تطوير وتنمية إقليم حلب (مثلاً)سيساهم في تطوير وتنمية الوطن السوري عامة .
كما إن اعتماد نظام اللامركزية السياسية على أسس جغرافية سيكون درهم الوقاية من العنف القومي أوالطائفي المتفجر في دول الجوار فيما لو اعتمدت أسس أخرى, كالعرقية أو الطائفية في تشكيل الأقاليم وذلك لخصوصية الوضع السوري عامة ووضع الجزيرة ( الحسكة ) خاصة , حيث التداخل القومي و الديني وصل إلى الحد الذي يصعب معه وضع أي خارطة على أي أسس أخرى .
– إن تعدد الأديان والطوائف في سورية يتطلب اعتماد نظام الدولة العلمانية كضمان لحقوق الطوائف الإسلامية والأقليات الدينية الأخرى ولكن العلمانية التي نطلبها هي تلك التي لا تقترب من قضية الإيمان سواء بالقبول أو الرفض .
إما العلمانيين الذين يستبيحون الحريات الأساسية للإنسان بحجة حماية العلمانية فعلينا محاربتهم تماما كالحركات الدينية المتطرفة .
– رغم إنني لا أرى من الصواب قيام أحزاب على أسس عرقية أو دينية , إلا إن هناك الكثير من الحركات السياسية القائمة على هذه الأسس وهي تستقطب جزا كبيرا من الشارع
– علينا التعامل معها بايجابية طالما بقيت هذه الحركات تحترم معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان وهذه الحركات في غالبيتها اليوم تقوم بإصلاحات داخلية على درجة كبيرة من الأهمية وتسير نحو الاعتدال .
– إن أي فكر إذا لم يتم تجديده فانه يفقد بريقه وهكذا كان حال الدين الإسلامي , لقد شبه شيخ الشهداء معشوق الخزنوي الإسلام بالجوهرة التي تكوم عليها الغبار والتي نحتاج إلى تنظيفها و إزالة الغبار عنها بين فترة وأخرى حتى نعيد لهذه الجوهرة بريقها – فإذا كان لكل زمان إحكامه، فان إغلاق باب الاجتهاد منذ أكثر من إلف عام أساء إلى الدين الإسلامي وقيمه النبيلة .
– إن جوهر الديمقراطية هو الاعتراف بالأخر كما هو لا كما نريد له إن يكون وهنا اخص جماعة الإخوان المسلمين الذين أحدثوا تغييرات ايجابية مهمة في برنامجهم.
رغم إننا ما زلنا نطمح للمزيد إلا إن مقاطعة البعض للجماعة بسبب إن برنامجهم الحالي بما يتضمن من احترام المعايير الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة لا يتطابق مع الشريعة الإسلامية , يضع هذا البعض في خانة النظام بعلمه أومن دون علمه
إن العلاقة مع أي حركة بما فيهم جماعة الإخوان المسلمين يجب إن تبنى على أساس ما يورد في برامجهم السياسية وما يتعهدون به من احترام للديمقراطية والتداول السلمي للسلطة .
أما مسالة تطابق هذه البرامج مع الشريعة أو عدم مطابقتها فتلك مسالة تخص الجماعة وليس لي أو للأخ علي الشهابي أي شان بذلك .
– إننا نرمي من وراء كل ما ذكرناه إلى بلوغ دولة المواطنة الدولة التي لا تعطي لقومية معينة أو دين معين حقوق موروثة في الحكم , والتي لا يأخذ استبعاد احد أبنائها أو بناتها شكله القانوني .
وأخيرا فان على بعض الإخوة إن يفهموا إن الحاضر ملك لنا جميعا كما كان الماضي ملك السابقين ولهذا من حقنا إن نرفض البرامج التي وضعت قبل عشرات السنين والتي لا تتفق مع مصالحنا كذلك فإننا نؤمن بان المستقبل ملك للأجيال القادمة وسيحددونه وفق ما تتطلبه مصالحهم ولن يلتزموا بأي شيء لا يعبر عن إرادتهم مهما حاولنا فرض ذلك عليهم.
الجزيرة سابقاً – الحسكة حالياً
كانت الجزيرة سابقاً ( محافظة الحسكة حالياً ) تابعة لقضاء ماردين وبقيت كذلك حتى انهيار الدولة العثمانية ولكنها ألحقت بالدولة السورية عام 1922م وأصبحت منطقتي الحسكة ورأس العين قضاءً واحداً مركزه الحسكة وتابعة لمتصرفية دير الزور, وفي عام 1923 تم إنشاء قضاء ثاني في قرية بيان دور, انتقل مركز القضاء منها إلى القامشلي سنة 1925م وبعد تخطيط الحدود بين سوريا وتركيا وإلحاق منقار البطة في أقصى الشمال الشرقي بالدولة السورية أنشئ قضاء ثالث فيها وهو قضاء عين ديوار, وفي عام 1930 أصبحت الجزيرة متصرفية وانفصلت نهائياً عن دير الزور سنة 1944م.
تبلغ مساحة محافظة ( الجزيرة سابقاً ) الحسكة حالياً /23333.59/ كم2. والتي تشكل 12.6% من مساحة سوريا البالغة /185180/كم2. ويبلغ عدد سكان محافظة الحسكة بعد إضافة الكرد المجردين من الجنسية اليهم حوالي المليونين نسمة, ويشكلون أقل من عشرة بالمائة من سكان سوريا البالغين حوالي.22 مليون نسمة .
تتميز المحافظة من الناحية السكانية بالكثافة في المناطق الشمالية والتي تقل كلما اتجهنا جنوباً.
كما أنها تتمتع بالتعددية العرقية والدينية, لتكون الجزيرة وعبر تاريخا الطويل والذي يعود لثمانية آلاف سنة عندما أستوطنها الإنسان, منطقة للتعايش القومي والديني.
ما يميز الجزيرة من الناحية التاريخية هي أنها تعتبر بحق أرشيف العالم القديم فهي تحتوي على ثلاثة آلاف موقع أثري لم ينقب إلا في عدد قليل جداً منها فعدد التجمعات السكانية في الألف الأول قبل الميلاد كان يفوق ما هو موجود حالياً, وشهدت الجزيرة موجة عمرانية أخرى وكثافة سكانية أخرى مع نهاية حكم الدولة العباسية.
– تضم محافظة الحسكة بالإضافة إلى مركز المحافظة ثلاثة أقضية أخرى هي ( القامشلي – المالكية “ديريك”- رأس العين “سه رى كانييه”). ويتبع لكل منطقة عدة نواحي على الشكل التالي:
الحسكــــــــة: قرى المركز- تل تمر- الشدادة- مركدة- بئر الحلو- العريشة.
رأس العيــن( سه رى كانييه ): قرى المركز- الدرباسية.
القامشلــــي: قرى المركز- تل حميس- عامودا- تربه سبيه (قبور البيض).
ديريك (المالكية): قرى المركز- تل كوجر- الجوادية.
بالإضافة إلى ( 3337 ) تجمع سكاني ما بين قرية ومزرعة.
تاريخ الجزيرة
كانت الجزيرة (محافظة الحسكة حالياً) تقع ضمن مملكة سوبارتو والسوبارتيون أو الشوبارتيون هم أقدم الأقوام التي سكنت المنطقة في شمال بلاد النهرين وسميت المنطقة ب(سوبارتو) ويعتقد الباحثون أن السوبارتو ينتمون إلى نفس الأصل الذي ينتمي إليه السومريون الذين كانوا يعيشون مع السوبارتيين في الشمال قبل رحيلهم إلى الجنوب.
خضعت الجزيرة فيما بعد للحيثيين الذين استولوا على الجزء الغربي لسوبارتو وخضعت المنطقة فيما بعد للميتانيون الذين أسسوا دولة في الجزيرة وكانت عاصمتهم (واشو كاني) تقع عند منبع الخابور.
دمر الآشوريون عاصمة الميتانيين وأزالوا دولتهم, ليحكموا هم الجزيرة ولكنهم لم يستقروا فيها لمحاربتهم من قبل الحيثيين والشعوب الأخرى, وليقوم بعد ذلك أحد الشيوخ الآراميين, ببناء دولة على أنقاض الدولة الميتانية, وليختار مدينة (غوزانا) في تل حلف عاصمة لدولته.
تمكن الآشوريون مجدداً من حكم الجزيرة ضمن إمبراطورية مترامية الأطراف وذلك بعد تدمير الدولة الآرامية فيها.
في سنة (612)ق.م سقطت نينوى عاصمة الآشوريين نتيجة لتحالف ميدي – كلداني, لتقع الجزيرة ضمن الدولة الميدية ومع سقوط الدولة الميدية, حكم الفرس المنطقة وخضعت الجزيرة بعد ذلك للأسكندر المقدوني ومن بعده الرومان فالعرب المسلمون.
مما سبق نجد أن الشعوب السامية والآرية كانت تتعاقب على حكم الجزيرة ومع التنقيب في أي تل من الثلاث آلاف تل الموجودة في الجزيرة نجد تعاقب عدة حضارات وفي بعض الأماكن أكثر من خمسة عشرة حضارة, وإلى اليوم نجد أحفاد تلك الحضارات في الجزيرة ولو أن النسب قد اختلفت.
ذكر كتاب شرف نامه لشرف خان البدليسي وجود العرب والمسيحيين إلى جانب الكرد في المنطقة التي كانت تتبع لإمارة بوطان.
وكذلك فبالعودة إلى كتاب بلاد على الحدود لـ ( نجاة غويرنج – ديتر هوثروث ) الذي أعتمد على دفتر الضرائب العثمانية سنة 1564م وبالتدقيق في أسماء القرى في المنطقة والتي كانت تتبع لماردين وقتها, نجد أن أغلبية أسماء القرى في شمال محافظة الحسكة الحالية هي كردية مع وجود أسماء أخرى عربية وسريانية وحتى تركية , أما في جنوب المحافظة فكانت الأغلبية عربية إلى جانب أسماء أخرى كردية ولكن بنسبة أقل, كما أن بعض القرى كانت تسمى بمسميين مختلفين من حيث اللغة.
يذكر بيير روندو في دراسة عن أكراد سوريا سنة 1939م أن (نيوبور) الذي عبر المنطقة في النصف الثاني من القرن الثامن عشر قال: (أن الأكراد قد اصطدموا بالعرب في توسعهم نحو الجنوب) ولكن أضاف ( أن بعضاً من عشائرهم كـ ” كيكان – ملان– يزيد سنجار” قاومت السلطة العثمانية من ناحية الإتاوة, اعترافا بحقوقها في الرعي في بلاد ما بين النهرين جنوب خط ماردين – نصيبين).
وذكر روندو أيضاً بأن (سوتكات) في بدايات القرن التاسع عشر قد علم بأنه كان يوجد بين رميلان ونصيبين وسنجار ودجلة 54 قرية وأنه إلى جانب الأكراد كانت هناك نسبة جيدة من المسيحيين اليعقوبيين والعرب المسلمين.
ويقول بيير روندر: بإمكاننا أن نؤكد واثقين بأنه خلال عدة قرون استخدم الأكراد مراعي الجزيرة بالتنافس مع العرب وتبادلوا استثمارها زراعياً.
كما أن السيد (ماكس مريهرفون أوبنهايم) مكتشف تل حلف الأثري يذكر سنة( 1893م) وجود عدة عشائر كردية وعربية في منطقة رأس العين بالإضافة إلى الجاجان القادمين من جنوب روسيا حديثاً.
أن هذا الموجز يثبت لنا أصالة القوميات الثلاث التي تسكن هذه المحافظة, وأن تواجد أياً منها لم يكن طارئاً, بعكس ما يروج له البعض بأن هذه القومية أو تلك دخيلة على المنطقة.
ولكن النسب العددية بين القوميات الثلاث تختلف من جيل إلى آخر, وذلك أيضاً يعود لعدة أسباب أهمها الهجرة وتليها الفرو قات في أسلوب المعيشة و بعض العادات الاجتماعية وما إلى ذلك بين أبناء وبنات القوميات الثلاث.
أما بالنسبة للقوميتين الرئيسيتين من حيث التعداد السكاني (الكرد والعرب) فبعكس ما يريد البعض ترويجه فالتاريخ يثبت عمق العلاقات بين أبناء القوميتين, فأقرب الأمم إلى الأمة العربية منذ قيام الدولة الإسلامية وحتى تأسيس الدولتين العراقية والسورية الحديثتين كانوا هم الكرد, وكذلك فأن أغلب الإنجازات والانتصارات التي تحققت في تاريخ المنطقة يعود لتحالف الأمتين.
أما بالنسبة لحوادث الاقتتال التي حدثت, فأنها لم تكن على المستوى القومي بل كانت نتيجة للعقلية العشائرية السائدة في تلك الفترة وكنا نلاقي في طرفي الصراع تحالفات بين عشيرتين أو أكثر والحالة الغالبة على تلك التحالفات أنها كانت تضم كرداً وعرباً في طرفي الصراع.
أما في العصر الحديث ومع تأسيس الدولة السورية فإن المشكلة الكردية وعلى حد تعبير الأستاذ جاد الكريم الجباعي لم تكن يوماً مع مواطنيهم العرب, بل أن مشكلتهم ومشكلة مواطنيهم العرب أيضاً كانت مع الدولة التسلطية.
لقد كانت الجزيرة وعلى طول تاريخها منطقة للتعددية القومية والدينية وامتازت على طول الخط بغناها الثقافي وبمتانة العلاقات فيما بين مكوناتها.
أما من يبحث عن النقاء القومي ولا يرى من التاريخ إلا ما يخدم أفكاره القومية الضيقة وأجندته التي لا تخدم أياً من مكونات الجزيرة.
نقول له: أياً كان هذا التاريخ وكيفما كتبتموه فإنه يبقى ملكاً للأجيال السابقة ولن يغير من واقعنا المعاش شيئاً, واقع التعددية والتعايش والغنى الثقافي والتي هي بحق مفخرة أهل الجزيرة.

العلاقات الاجتماعية والثقافية في الجزيرة
أن أغلب علاقات المصاهرة بين الكرد والعرب والتداخل القومي الطبيعي والاندماج كانت قد حصلت قبل تحقيق الوحدة بين سورية ومصر.
ومع قدوم حزب البعث وسياساته الرامية إلى إذابة القوميات الأخرى في بوتقة الأمة العربية, وإتباعه لسياسات التوطين والتهجير والمضايقات التي خص بها الكرد كالطرد بالجملة من المعاهد وسد باب التعليم أمام المحرومين من الجنسية, وتحزيم المناطق الكوردية بحزام من ابناء القومية العربية المستقدمين من خارج المحافظة, إلى آخر تلك السياسات والتي وقفت سداً في وجه الاندماج الاجتماعي والثقافي الطبيعي بين مكونات الجزيرة, وأساء إلى العلاقات الكردية العربية تحديداً.
فحتى عام 1958م لم يعترف باللغة الكردية كلغة رسمية في المناطق ذات الغالبية الكردية, ولهذا لم تدرس في المدارس الحكومية ولكنها بنفس الوقت كانت منتشرة بحرية بين المثقفين الكرد وكذلك الأغاني الكردية كانت منتشرة وبعض النشاطات الثقافية الأخرى.
قبيل انهيار الوحدة بين سورية و مصر بدأت الإجراءات العنصرية واشتدت بعد نجاح انقلاب البعثيين فحاربوا كل ما يمت للثقافة الكردية, ابتدأ من اعتقال أي شخص يعثر معه على أي كتاب أو حتى ورقة مكتوبة باللغة الكردية ومصادرة وإتلاف كتابات الكثير من المثقفين والشعراء الكرد ” (في مداهمة لمنزل الشاعر تيريژ صودر ديوانه الأول ولم يعثر عليه إلى اليوم وكذلك أتلفت الكثير من أعمال الشاعر أحمد نامي خوفاً من أن تقع في يد رجال السلطة)”. ووصل الأمر في بعض الفترات إلى تحريم الاستماع للأغاني الكردية ومضايقة بعض الفنانين الكرد” فما لاقاه الخالد محمد شيخو على يد الأجهزة الأمنية خير دليل على ذلك”. وكانت الإجراءات العنصرية تصل إلى حد منع التحدث باللغة الكردية, حيث كان يكتب على جدران المدارس والإدارات والمؤسسات الحكومية “ممنوع التحدث بغير اللغة العربية”.
ليبدءوا أخيراً بتغيير أسماء المناطق والبلدات والقرى والمعالم الأثرية وحتى المواليد الجدد من أبناء وبنات الكرد وتعريبها مع العلم أن الأسماء الكردية تنتشر وبشكل واسع في جميع أرجاء العالم العربي.
والمفارقة أن النظام السوري قدم شكوى إلى الأمم المتحدة ضد إسرائيل لأنها تقوم بتغيير أسماء القرى والبلدات والمناطق الأثرية في الجولان!!..
لقد أهملت الثقافة السريانية أيضاً ولكن ليس بالقدر الذي أضر بالثقافة الكردية, فالأمية باللغة الكردية منتشرة بكثرة بين الكرد بسبب منع تعلمها, حتى أن بعضاً من أشهر الكتاب الكرد من أمثال ” سليم بركات- إبراهيم يوسف- إبراهيم محمود….الخ” ما زالوا إلى اليوم يكتبون ويصدرون نتاجاتهم بالعربية.
أن اللغة العربية تعتبر لغة الفصاحة وهي لغة غنية بمفرداتها وتخدم الكاتب ولكننا ككرد و آثوريين نفكر بلغتنا القومية وعندما نقوم بكتابة أفكارنا نقوم بترجمتها أولاً.
إن محاربة الثقافة الكردية والآثورية ألحق الضرر بالثقافة العربية أيضاً فكما هو معروف فأن الثقافات تتلاقح وتغني بعضها بعضاً.
إن اجتماع أحفاد الحكمة الزردشتية والعدالة الإسلامية وتسامح المسيح يعتبر بحق لوحة رائعة بكل ألوانها وأن أخفاء أو إزالة أي لون من هذه الألوان يشوه اللوحة بأكملها.
الجانب الاقتصادي والمعاشي في الجزيرة
أصدر مكتب البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة بالتعاون مع هيئة تخطيط الدولة والتي كان يترأسها السيد عبد الله الدردري تقريراً عن الأوضاع المعاشية في سوريا، وورد في التقرير أن نسبة اللذين يعيشون تحت وطأة الفقر من الشعب السوري يبلغون 5.3مليون نسمة أي ما يشكل أكثر من 30% من السكان حيث إن أغلبيتهم 58% يعيشون في المناطق الشمالية والشمالية الشرقية وتحديداً في ريف حلب ومحافظة الحسكة, حيث زادت نسبة اللذين لا يحصلون على الحاجات الأساسية من الغذاء وغيره على مليون شخص.
فسكان الجزيرة بمختلف قومياتهم هم الأكثر فقراً على مستوى سوريا, وهذه النسبة من الفقر ربما لن تتواجد إلا في بعض الدول التي أرهقتها الحروب الأهلية في أفريقيا,( رغم أننا نشكك في الأرقام, لأن طرفاً حكومياً كان من ضمن اللذين وضعوا التقرير).
ليس صدفة أن أفقر مناطق البلاد هي المناطق التي يتواجد فيها الكرد, فالوضع الخاص لمحافظة الحسكة لدى الحزب الحاكم والإجراءات الاستثنائية ترهق المواطن وترهبه في هذه المحافظة.
كانت الجزيرة على الدوام تعاني من الإهمال المتعمد من قبل الأنظمة السورية المتعاقبة منذ نهاية الخمسينات وإلى اليوم, ولم يكتفي النظام الحالي بزرع الفتن بين مكونات مجتمع الجزيرة وربما آخر تلك المحاولات كان العمل على جلب 151 عائلة من منطقة الشدادة وتوطينها في منطقة ديريك (المالكية), وكذلك فأن المسئولين في النظام لم يعطوا بالاً ( أي أهمية) للأعداد الهائلة من العاطلين عن العمل في المحافظة مع العلم أن غالبية العاملين في شركات البترول وكذلك رجال الأمن والشرطة والمدراء في الشركات والدوائر الهامة في المحافظة من خارجها فعلى سبيل المثال في مسابقة بتاريخ 9/7/2005م لانتقاء معلمين يدرسون في مدارس المحافظة, تم رفض الكثير من الطلبات لخريجين من أبناء وبنات المحافظة وتم تعيين 380 مدرساً من خارج المحافظة من أصل 489 مدرس تم تعينهم.
وللسخرية فقبل عدة سنوات قام المسئولون في البلد في أيام الحصاد بجلب العتالين من خارج المحافظة وكان لهم الأفضلية على مستوى العتالة, مع العلم أن أكثر من ربع سكان الجزيرة اليوم قد غادرها إلى المحافظات الداخلية وبعضهم هاجر إلى لبنان وبعض البلدان العربية وبنسبة أقل إلى بلدان أوروبية وغالبية هؤلاء يعملون في أعمال شاقة وأحياناً مذلة لا يرضى أصحاب الأرض العمل بها.
الجزيرة هي الرافد الأول والأساسي للعملة الصعبة في سوريا, ورغم ذلك فهي أفقر المناطق بالمشاريع الصناعية وتُعامل من قبل الأنظمة المتعاقبة معاملة منطقة مستعمرة, فالمعمل الوحيد في المحافظة هو معمل الكونسروة (متوقف منذ عدة سنوات عن العمل ) إلى جانب محلج القطن.
تمتاز تربة الجزيرة بخصوبتها حيث كانت المنطقة سلة غذاء بغداد أيام الدولة العباسية كما هي اليوم سلة غذاء دمشق في الدولة السورية, فمعدل إنتاج القمح السنوي يبلغ حوالي المليون ونصف المليون طن سنوياً وإنتاجها من القطن وبعد الإجراءات الحكومية الصارمة لمنع زراعته بلغ عام 2005 حوالي المليون طن وكان أضعاف هذا الرقم في السنوات السابقة, كما أن المحافظة تنتج الشعير والبقوليات, وإنتاج الجزيرة وحدها في بعض هذه المزروعات يفوق إنتاج جميع المحافظات السورية الأخرى.
فالمواد الأولية اللازمة للصناعات الغذائية في غالبيتها تنتج في الجزيرة, ولكن للأسف فأنها تصنع خارج المحافظة ,وفي السنوات الأخيرة وبسبب الإهمال المتعمد لقطاع الزراعة فأن غالبية سكان ريف الجزيرة هجروا أراضيهم إلى المدن وبعض دول المهجر.
كما أن المحافظة غنية بثرواتها الطبيعية وتنتشر حقول النفط والغاز في كلاً من السويدية – قره تشوك – رميلان- الهول – الجبسة ويستخرج الكبريت من رأس العين والسويدية.
يبلغ إنتاج رميلان من النفط ( 23444 ) م3 يومياً وكمية الغاز في معمل الغاز في السويدية يبلغ (2317×10)م3 والذي ينتج منه البنزين والكيروسين والغاز المنزلي, وكذلك هذه الثروة لا يستفاد منها أهل الجزيرة حتى على مستوى العمالة, فمصافي البترول في الداخل والساحل، ويعاني سكان الجزيرة من التلوث الحاصل في البيئة المحيطة بحقول النفط والغاز والتي لا تكلف الحكومة نفسها بتخصيص ميزانية لتنظيفها.
كذلك فالمناطق الأثرية في الجزيرة هي كنز من الناحية التاريخية, ويمكننا الاستفادة منها أيضاً في مشاريع سياحية بالإضافة إلى مناطق سياحية أخرى تحتاج إلى القليل من الاهتمام وللأسف فكلها مهملة تماماً.
وهنا ليس لي إلا أن أعيد مقولة أحد السياسيين الذي صور الاقتصاد السوري ببقرة, رأسها في الجزيرة, وضرعيها في دمشق, ولكنه نسي أن التلوث الذي تحدثه هذه البقرة أيضاً يكون في الجزيرة.
نظرة لحاضر ومستقبل الجزيرة
الواقع والواقعية كلمة كثيرة التداول في الأطروحات السياسية, والواقعية تعني الممكن ضمن حدود الواقع.
تقول الدكتورة ليلى داوود:( نحن عادة نميل لتأكيد جانب المعلومات الذي يتفق مع توقعاتنا ومعتقداتنا, فحين نعتز بشيء ما نميل لأن نراه أكبر من حجمه كما نقر الأفكار والأفعال التي تثير اهتمامنا بصورة أسرع وأكثر من تلك التي تسبب لنا الضيق..).
فنحن نلاحظ في الجزيرة أن كلاً من مكوناتها يرى الواقع بما يلاءم رغباته وأطروحاته القومية وأحياناً العنصرية ويختفي في ظل الواقع الذي يراه رغبات الآخرين وأحياناً وجودهم أيضاً.
لكلاً منا تاريخه الخاص في الجزيرة ويضطر أحدنا أن يقفز فوق مراحل تمتد لمئات السنين أحياناً ليحافظ على نقاوة تاريخه, وربما سيعمل للمحافظة على هذه التلال لمئات السنين بدون تنقيب كي لا يضطر للاعتراف بقرون من التعددية والتعايش, ولكن أن يكون لكلاً منا واقعه الخاص ويحاول فرض هذا الواقع على المكونات الأخرى, فذلك سيخلق حالة من العداء والكراهية وبالمحصلة أنهار من الدماء إن لم نتدارك الأمر.
أن توجه أياً من مكونات الجزيرة نحو التعصب القومي أو الديني سيؤثر سلباً على المكونات الأخرى وسيدفعها بنفس الاتجاه والعكس صحيح.
علينا أن نتفق قبل كل شيء أن نفتح باب الحوار, والحوار يكون في كل القضايا وبذلك سنرفض المقدسات التي لا تقبل النقاش والحوار حولها ويجب توسيع قاعدة الحوار ليضم كل مكونات مجتمعنا في الجزيرة.
أن حجم التداخل بين القوميات العربية والكردية والآثورية في الجزيرة قد بلغ درجة لا يمكن بعدها وبأي شكل من الأشكال فصل هذه القوميات عن بعضها, فنرى أحياناً في القرية أو الحي الواحد عوائل من القوميات الثلاث.
أن الاختلافات بيننا في الجزيرة هي لغوية وثقافية وفي بعض العادات الاجتماعية ولكننا بالمقابل نجد أن همومنا واحدة ومصالحنا مرتبطة ومشتركة ولا نملك أي بديل عن التعايش.
أن أي تقسيم للجزيرة إلى شمال كردي وجنوب عربي سيضر بالعلاقات الاقتصادية والمصالح المادية لكل الأطراف, بالإضافة إلى إشعال فتيل الصراعات العرقية في المنطقة.

المشكلة الأساسية التي يعاني منها جميع سكان الجزيرة وبمختلف الانتماءات العرقية والدينية هي الإهمال المستمر منذ قيام الدولة السورية, وإن الحل المثالي لهذه المشكلة والمشاكل الأخرى كسياسة التعريب التي انتهجتها الأنظمة السورية المتعاقبة منذ نهاية الخمسينيات (إنكار وجود القوميتين الكردية والآثورية , والإحصاء والمستوطنات, التي خص بها الكرد ومحاربة الثقافة الكردية على وجه الخصوص والآثورية) تتطلب تمتع سكان الجزيرة بمختلف مكوناتهم بسلطاتهم التشريعية والإدارية والقضائية وفق قوانين وتشريعات تتناسب وظروف هذا الإقليم ذو التعددية القومية والدينية في ظل دولة اتحادية.
أن اعتماد أي أسس دينية أو عرقية أو المطالبة بحقوق تاريخية لقومية ما على حساب القوميات الأخرى لن يكون في مصلحة جميع مكونات الجزيرة.
لهذا من الأفضل اعتماد الحدود الإدارية الحالية لمحافظة الحسكة مع احترام رغبة سكان أي منطقة أو ناحية تريد الانضمام إلى هذا الإقليم أو الانسلاخ عنه للالتحاق بإقليم آخر.
– برغم أن العراق الحالي قد قدّم لنا أسوء الأمثلة عن الديمقراطية إلا أن تجربة إقليم كردستان ونظام اللامركزية في العراق يستحق منا التوقف عنده.
فالأوضاع الأمنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والثقافية للشعب الكردستاني تحسنت بعد استقلال إقليمهم عن المركز في معظم الأمور التي تخص سيادتهم الداخلية, واليوم يسعى سكان الإقليم كما صرح مسئولوه لأكثر من مرة لبلوغ ما بلغته إمارة دبي في النواحي العمرانية والخدمية والاقتصادية الأخرى.
وكذلك فأن محافظة الأنبار كانت من أكثر المناطق الملتهبة في العراق, تدخلت القوات الأمريكية بمفردها في البداية وفيما بعد بمساندة القوات العراقية ورغم كل الحملات الشرسة التي قامت بها ,إلا أنها لم تحقق أي نتائج وأزداد الأمر سوءاً إلى أن سلم الملف الأمني إلى سكان المحافظة وخصت الأنبار بحصتها من الميزانية وخف تدخل المركز في شؤونها, تقلصت إلى درجة كبيرة حدة العمليات الإرهابية وهي تتمتع اليوم بشيء من الهدوء ونحن على قناعة تامة بأن مستقبل أهل الأنبار سيكون أفضل بكثير عندما يتمكنون من إدارة جميع شؤونهم الداخلية بانفسهم.
أننا عندما ننقل أي تجربة من مكان لآخر نحتاج إلى إدخال بعض التعديلات عليها لتناسب خصوصيات البيئة الجديدة.
إن منطقة الجزيرة تختلف عن المناطق العراقية بأنها منطقة لا تشكل فيها أي قومية الأغلبية المطلقة, فالكرد يشكلون الأغلبية في شمال المحافظة ( أكبر أجزاء كردستان سورية ) ويشكل العرب الأغلبية في جنوبها وهناك انتشار ( كلدان – سريان – آثوريين ) في شمال وجنوب المحافظة بالإضافة إلى وجود أقلية أرمنية إلى جانب أقليات قومية ودينية أخرى.
إذا تعاملنا بشكل صحيح مع هذه التعددية فأنها ستجعلنا نتخطى مرحلة التعصبات العرقية والدينية و ستكون التعددية ميزة ايجابية لهذا الإقليم وستساهم في ازدهاره اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.
إن الأساس الذي تبنى عليه أي حركة أو تنظيم سياسي في الجزيرة يجب أن يتسع لكل مكوناتها ويشارك الجميع في وضعه فكلما اتسعت المشاركة اتسع هذا الأساس وزاد من متانة البناء.
لذلك فأن أي تنظيم سياسي لا يجد فيه كل أبناء وبنات الجزيرة مكاناً لهم فيه ولا يحقق تطلعات الجميع في حياة حرة كريمة يكون كالطائر الذي يحاول أن يطير بجناح واحدة.
عند قيام نظام فيدرالي على أسس جغرافية في الجزيرة فأن المكاسب التي ستتحقق ستكون لكل مكونات الجزيرة وكذلك فأن سعيهم المشترك للحصول على أكبر المكاسب لإقليمهم سيزيد من قوة العلاقات فيما بينهم وسيزيل حالة الاحتقان التي ظهرت في السنوات الأخيرة وسيعيد الشعور القومي لدى جميع الأطراف إلى حجمه الطبيعي.
بالنسبة للحالة الاقتصادية، فأن الجزيرة ستتمتع بجزء من ثروتها الطبيعية لأنها الإقليم الذي تستخرج منه هذه الثروة كالنفط والغاز والكبريت.
كذلك فإن الجزيرة من أكثر المناطق تأهيلا لقيام مشاريع زراعية ضخمة بالاستفادة من مياه نهر دجلة و بعض الانهر الصغيرة الاخرى وذلك من خلال توقيع اتفاقيات مائية جديدة مع الجارة تركيا التي تعتبر بلد المنبع لتلك الانهار . أن اليد العاملة المتوفرة في الجزيرة والمواد الأولية المتنوعة في الإقليم, كفيلة بجلب رؤوس الأموال السورية والأجنبية, بالإضافة الى ذلك, فأن الاستثمار في مجال الصناعة النفطية وحدها، ستكون الكفيلة بالقضاء على ظاهرة البطالة بين السكان.
إن سكنة الأكواخ من أهل الجزيرة هؤلاء البائسين الحفاة, اللذين يسكنون بقعة هي من أغنى بقاع العالم, يستحقون حياة أفضل من التي يعيشونها, ولن يصلوا إليها أبداً ما داموا يتخندقون خلف أطروحاتهم العرقية أو الدينية.
أنني أراهن على الشباب من أهل الجزيرة بمختلف قومياتهم وأديانهم فالشباب يمتلك المرونة اللازمة للحوار مع الآخر وتقبل خصوصيته وكذلك قبول الأفكار الجديدة بعكس اللذين صقلت أفكارهم ومعتقداتهم تحت ظروف قاسية يصعب معها قبولهم لكل فكر متجدد.
وهنا أريد أن أعتذر للجيل الشاب من سكان الجزيرة لأنني كنت واحداً ممن كانوا فريسة سهلة للفكر القومي الضيق وسياسات رد الفعل على ما ينتهجه البعث اتجاه أبناء وبنات قوميتي الكردية التي أعتز بها.

* كاتب وناشط سياسي
ezizbiro@hotmail.com

بواسطة aljazeerasy

One comment on “عزيز برو: نحو مناقشة الحل الفيدرالي في سورية – جمهورية سورية الاتحادية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s