– إبراهيم محمود– أبعد من حدود المسيحي- المسلم” حدث قامشلي نموذجاً”


ما حدث مساء الأربعاء بتاريخ13-7/2011، أمام مبنى مديرية منطقة قامشلي، وقد تظاهر أكراد مطالبين

بجملة حقوق لا تعنيهم وحدهم، كما تقول لافتاتهم، عبر استفزازات جانبية، سجّلت باعتبارها مواجهة بين” مسيحيين ومسلمين”، وبدقة أكثر بين مسيحيين وأكراد وما في ذلك من توصيف خاطئ للحدث: ديني واثني.

العملية أبعد من ذلك، وعلينا أن نعترف أن ما شوهد هناك، كان يعاش في النفوس ولو بتفاوت، تبعاً للمنطقة، ونسَب توزيع السكان وتواجدهم على أساس مذهبي أو طائفي بالدرجة الأولى، وفي وسع المتابع ملاحظة هذا التوزع في ذات المدينة وضواحيها، وتتبع أماكن تواجد كل مجموعة دينية، وعلى أساس اثني أقل هنا.

ثمة قوة متنفذة: سلطوية تسعى جاهدة، كما هو تاريخها” العِللي” إلى الاحتفاظ بتفاوت المواقع وتسخينها بحسب الحالة أو الحدث، لتؤكد مباشرة أنها قائمة وغالبة بقدر ما تشعل ناراً طائفية أو مذهبية وغيرها، لتهنأ بطبختها المسمومة، كما لو أنها تعيش خارج أي سياق اجتماعي: مذهبي، أو اثني، أو طائفي، مكذبة نفسها وعبر أيد ضالعة في إبقاء مجتمع كامل دون اسمه، وأن قانون التغير التاريخي يستثنيها من التغير كما يحدث الآن سورياً.

لن أسمّي الحارات والأحياء التي تكون المدينة تبعاً لمذاهبها واثنياتها. إن أي مقيم فيها يعرفها، وعندما أبتعد عن التسمية فلأنني أنظر في المدينة باعتبارها كلاً مجتمعياً وثقافياً.

لنتذكر: حتى الأمس القريب، وبالنسبة لدارس التاريخ، كان يشار إلى الاستعمار وسياسة” فرق تسد” أو” لفق تسد”، أنَّى تمركزت قواه، وبُثَّت عناصره المدرَّبة على أداء هذه المهمة لإدامة عمره الاحتلالي والنهبي..

ولى الاستعمار” البغيض” وبقي البغض الذي لا يجهل أحد من المعنيين بأمر البلد ما تكونه طبيعته ومهامه في تمزيق أوصال المجتمع الواحد، إذ الاستعمار لم يعتمد سياسته البغيضة تلك إلا لأنه وجدها سائدة هنا وهناك، ورحل دون أن يرحل معه” البغض الوطني” المحلي، وهو في تاريخه المديد، ولنا في قول المعري عبرة:

إن الشرائع ألقت بيننا إفناً وأورثتنا أفانين العداوات

هذا يرجع إلى أكثر من عشرة قرون، أي قبل حلول الاستعمار بيننا وممارسة عنفه فينا، ولنا في هذا العنف الكثير مما كان شغالاً فينا وبنا، كما هو تاريخ” الفتن” ودلالتها وكيف تدار الفتنة هذه أو تلك لصالح سلطة ما.

لنتذكر أيضاً أنه حتى الأمس القريب، كان يتحدد المذهب في البطاقة الشخصية لأي بالغ فينا( مسيحي- مسلم..الخ)، ثم أزيح هذا البند جانباً ليتم تفعيله بعنف أكثر عبر ممارسات معنيين بأمن البلد ونظامه هنا وهناك.

وبعيداً عن التذكر، وقريباً مما نعيش، يمكن مكاشفة اللعبة الأمنية الضالعة في سياسة” فرق تسد”، ليس بين المسيحي والمسلم فقط، وإنما بين المسيحي والمسيحي، المسلم والمسلم بالذات، وحتى داخل العائلة الواحدة، عندما يمطر المحقق الأمني أياً كان ودون استثناء بأسئلة عن أصله وفصله الدينيين والطائفيين والعشائريين..

ولا يغفلن أحد هنا عما نسمع به بين الفينة والأخرى عن مشاحنات” شحنات” تفجر صراعات وخيمة أحياناً في هذه القرية أو تلك، هذه المدينة أو تلك. إنها الثمار المسمومة التي تقتطف من شجرة السلطة الهالكة المهلكة.

كما لو أن هؤلاء الذين يضعون مخططات تحول دون جعل البلاد بلاداً والعباد عباداً، تعمل بعمل العين التي ترى ما حولها ولا ترى نفسها، وهي تعمل استجابة لعنف سلطوي، ومن يحاول إطالة عمره، وزيادة رأسماله الاجتماعي والشخصي والطائفي” الحرام” وراء الاتجار بأغلى ما يمكن تسميته: الوطن الجامع للكل.

ويبقى أي حديث عن المجتمع المدني والوطن بمفهومه الحداثي حديث خرافة، لا بل خرافة تسخر من الجميع!

كأننا نعمل وفقاً لمبدأ غابيٍّ والذي يحارب على الورق أو إعلامياً عند الضرورة فقط، حين نستجيب لأقل إشارة فتًنية، أمنية، ومن يتعامل مع أولي أمرها، وتبرز السلطة على أوضح ما يكون من التشوهات وحقيقتها في الداخل، وفي الخارج على صعيد طبيعة العلاقات الاجتماعية والسياسية.

عقود زمنية طويلة، ونحن نعيش استعماراً ألد وأعتى داخلنا، كأنما بايعناه إلى الأبد، كما يعلم بذلك أصحاب العقود المذهبية والطائفية والقومجية، وثمة إلحاح هنا وهناك على أننا نعيش في دولة القانون؟؟!!..

ثمة من هم غيارى، بتعبير الصديق الكاتب ابراهيم يوسف، على وحدة المجتمع والوطن الواحد: سوريا، أكثر من أي مسئول أمني يعمل على الضد منهم، عندما صاحبة المعالي: الجغرافيا تصل ما بين الجميع، حيث إنني لا أرى من هو مسيحي ومسلم أو من أي ديانة أخرى، وفي هذه المنطقة التي سمّيت مائياً” أرض/ مكان القصب”، إنما أجد السرياني والأرمني والعربي والكردي معاً! إنه الرباعي الذي يستكمل ذاته الوطنية، وهو مصير الجميع..

إن ما جرى من مماحكات جانبية، وهي لم تكن جانبية عابرة، يمثّل تحدياً لكل المعنيين بأمن البلد، وأنا أستثني العاملين في الدائرة الأمنية وممارساتهم البغيضة والمهينة لسمعة البلد وشعب البلد، إنه التحدي الذي يدعو إلى تضافر جهود الجميع، حتى لا يتسرب المزيد من ” الأعداء” في الخارج، تلبية لأعداء وطنهم من الداخل.

تلك لعبة مشينة وهزيلة، تعيدنا إلى ما جرى عقب أحداث12 مارس 2004، إنما في مسار مختلف: ضرب العرب بالكرد وفي الإطار المرسوم وقتذاك، واليوم ضرب ما هو ديني محدد: مسيحي، لا يشمل الكل، بما هو قومي أو اثني محدد أيضاً، وهو كردي، إنما عبر عينات أو مجموعات تفي بالغرض القميء لمتعهدي الفتن.

وفي أمكنة أخرى لا زال ثمة صلاحية للعمل بمبدأ الضرب الاثني والطائفي لحسب المنطقة والحاجة..

إنها نار السلطة، ذاكرتها المشوهة، شعبويتها المركَّبة، وهي موقتة للاشتعال تبعاً للحاجة، ولعلها تنسى أنها ضحية لعبتها لاحقاً، ومن هم وراءها، ومن هم وراء وراء اللعبة القذرة هذه، وأن يحضر كل منا ماء على قدر استطاعته، لإخماد نار من يريد حرق بلد كامل، يكون التعبير الأبلغ عن سلامة الجميع دون استثناء.

لا حديث ممكناً عن غالب ومغلوب أبداً، إنما الجميع غالبون أو مغلوبون، ونزف قطرة دم واحدة يهدد الجميع!

نعم أنا كردي، ليس بدافع التباهي، ولكن لمن يريد مساءلة عمن يكتب، ولكنني أعيش في داخلي عراقة الأرمني والسرياني والعربي، على الأقل لأشعر بتوازن روحي أكثر وثراء تاريخي. إنه مشهد نجوم السماء مجتمعة.

تُرى هل كان ابن عربي: المتصوف الأثير على علم بمخاطر اللعبة المذهبية والطائفية والعشائرية قبل ثمانية قرون ونيّف، يعيش وحدة وجوده، وثمة ما يثمل الروح فينا حتى الآن بقوله:

أدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبـه فالحب ديني وإيماني

قبل أكثر من خمسة عشر عاماً استشهدت بهذا البيت في لقاء ثقافي نظمته ” الأسرة الجامعية السريانية”، وهأنذا أردده في رحابة وطن كامل ومدينة تسع تاريخاً كاملاً يلبي تطلعات الجميع وطموحاتهم السوية، في بلد نبتغيه سوياً وننشده واحداً، ولكل منا يكون إيقاعه، حيث تتشكل سيمفونية بلد واحد وشعب واحد…

Advertisements
بواسطة aljazeerasy

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s