تسعة وأربعون عاماً من المعاناة..قضية الأجانب في طريقها إلى الحل والمكتومون ينتظرون



يوم الثالث والعشرين من شهر آب (1962) ليس كباقي الأيام ليس يوماً عادياً في حياة شريحة كبيرة من المواطنين السوريين الأكراد في محافظة الحسكة، ناموا وهم أصحاب بيوت وعقارات وأراض زراعية ليستيقظوا على عدم امتلاكهم لشيء، ناموا وهم معروفون، ويحملون ما يدل على شخصيتهم، استيقظوا ليجدوا أنفسهم بحاجة إلى من يساعدهم لكي يثبتوا للآخرين أنهم هم أنفسهم، وأن تلك الأسماء التي ينادون بها هي أسماؤهم الحقيقية، وبأن تلك النساء اللواتي تعيش معهم هن زوجاتهم وبأن الأبناء الذين يربونهم هم من أصلابهم ولهم أسماء يعرفها الجيران والأقرباء. نام هؤلاء وهم (مواطنون) يحملون الجنسية السورية، واستيقظوا في صبيحة اليوم التالي ليتحولوا إلى (أجانب) وبجرة قلم.

كان يوماً غير عادي و في سنة غير عادية وبمرسوم غير عادي أقدمت فيه السلطات الحاكمة في سوريا في عام (1962)، أي أثناء عهد حكومة الانفصال، على إجراء إحصاء استثنائي في محافظة الحسكة، تم بموجبه حرمان عشرات الآلاف من المواطنين السوريين في هذه المحافظة من جنسيتهم بدعوى تنقية سجلات الأحوال المدنية من هؤلاء المتسللين عبر الحدود التركية والعراقية إلى الأراضي السورية، وبغض النظر عن الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ذلك الفعل الجائر، فقد شكل جريمة بحق هؤلاء المواطنين.

المرسوم وجدل المنح أو إعادة الجنسية:

بعد مرور السنوات التسع والأربعين على مأساة المواطنين السوريين الأكراد، أصدر السيد رئيس الجمهورية بتاريخ (7/4/2011) المرسوم التشريعي رقم (49) القاضي بمنح المسجلين في سجلات أجانب الحسكة الجنسية العربية السورية، وقد فتح هذا المرسوم أبواب النقاش على مصراعيه وأثار الجدل والتساؤل بين من يرى في المرسوم خطوة كبيرة على طريق حل المشكلة، وإن جاءت متأخرة، وبين من يضع كثيراً من إشارات الاستفهام حول صيغة المرسوم والشكل الذي جاء به حيث لم يتطرق إلى موضوع من يعرفون بمكتومي القيد الذين خرجوا أيضاً من عباءة الإحصاء الاستثنائي وكانوا شركاء في المعاناة.

يقول جمال ملا محمود: (إن الظلم الذي لحق بهؤلاء المواطنين حتى بعد صدور المرسوم «49» الذي يقضي بمنح الجنسية لمن يعرف بأجانب محافظة الحسكة والذي كان من المفترض أن ينص بإعادة الجنسية إلى هؤلاء لأنهم كانوا مواطنين ولهم أسماء في السجل المدني، وعلى أساسه أعطيت لهم بطاقات إخراج القيد لأجانب الحسكة، وهذا يعني أنهم كانوا سوريين واليوم وبعد صدور المرسوم كان يجب الإقرار بإعادة الجنسية وليس منحها، لأن مسألة الإقرار بإعادة الجنسية يترتب عليها الإقرار بجميع حقوقهم التي حرموا منها منذ «1962» وحتى اليوم وتعويضهم عن ذلك الحرمان).

شيء من الحرمان:

منذ عام (1962) وحتى الآن، ازداد عدد ضحايا هذا الإحصاء الاستثنائي وكبرت معاناتهم، ازداد عددهم ، ليصل اليوم إلى نحو ثلاثمائة ألف مواطن، وتعمقت مشكلاتهم أكثر وأصبحت مفتوحة على جميع الاحتمالات بعد أن تسبب هذا الإحصاء الجائر في حرمان ضحاياه من ممارسة جميع حقوقهم الطبيعية المترتبة على الحق في الجنسية (المدنية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، السياسية.. إلخ)، مما أفقدهم أهم عوامل ومستلزمات ممارسة حياتهم الاعتيادية، مثل حقهم في الملكية العقارية والسكنية ـ الحرمان من الوظيفة لدى مؤسسات الدولة ـ عدم منح الطلاب منهم وثائق النجاح التي هي حق مشروع لهم حصلوا عليها عبر امتحانات عامة نظامية إذا كانوا مكتومي القيد -الحرمان من البطاقة التموينية الضرورية بأسعار رخيصة، لذلك يضطر هؤلاء لشراء هذه المواد من السوق بأسعار مضاعفة ـالحرمان من الإسهام في الإدلاء برأيهم بل وحق الترشيح في الانتخابات والاستفتاءات ـالحرمان من السفر ـ عدم تسجيل واقعات الزواج وعدم تسجيل الأبناء المتولدين عن تلك الواقعات، ناهيك عن حرمان هؤلاء المواطنين من الكثير من الحقوق الأخرى كحقوق الانتفاع من الأراضي ـ بل الحرمان من حق الانضمام إلى أية نقابة.. إلخ.

ويعتقد البعض أن أول ظلم تعرض له هؤلاء المجردون كونهم في أغلبيتهم كانوا فلاحين وفقراء، هي حرمانهم من الأراضي التي تم الاستيلاء عليها من أجل تطبيق قانون الإصلاح الزراعي في عام (1966) وتم توزيعها في سبعينيات القرن الماضي على الفلاحين المستحقين الذين لا يملكون أية قطعة أرض ومن أبناء تلك المنطقة وقد تم حرمان هذه الشريحة من الاستفادة من التوزيع كونهم أجانب ولا يحملون الجنسية حتى لو كانوا من الذين تنطبق عليهم الشروط ويستحقون الحصول على تلك الأراضي لا بل إن بعضهم كانوا يعملون في تلك الأراضي لدى بعض المزارعين الكبار قبل الاستيلاء عليها من قبل الدولة لهذا السبب لم يستفيدوا من قانون الإصلاح الزراعي ولم يصبحوا منتفعين بتلك الأراضي.

أجنبي أم مكتوم القيد؟

وبذلك انقسم المحرومون من الجنسية إلى قسمين:

– المجردون من الجنسية والمسجلون في سجلات القيد المدني على أنهم أجانب محافظة الحسكة (أجنبي) ويبلغ تعدادهم حوالي (250) ألف نسمة.

– والمجردون من الجنسية وغير المسجلين في السجلات الرسمية، يطلق عليهم مكتومي القيد (مكتوم). ويبلغ تعدادهم حوالي (80) ألف بحسب إحصاء تقريبي لبعض الجهات، وهم الذين يتمتعون بحقوق أقل حتى من حقوق الأجانب. فهؤلاء قد ظهروا إلى الوجود نتيجة الأخطاء التي رافقت العملية الإحصائية، إذ لم ترد أسماؤهم في سجلات المواطنين أو الأجانب.

قصص تفيض بالمعاناة:

لكل واحد من هؤلاء قصة تروي معاناتهم تصلح سيناريو لفيلم تراجيدي وأخرى لا تخلو من الطرافة والكوميدية، وأهالي منطقة الجزيرة يعرفون عشرات القصص التي تبعث على الغرابة والمفارقة بهذا الصدد، وليس أبلغ من ذكر أن رئيس الأركان السوري توفيق نظام الدين في أول حكومة سوريّة غدا بموجب هذا الإحصاء أجنبياً! وقد تضمن الإحصاء أخطاءً فاضحة بحق ألاف الأسر السوريّة من أصل كردي، حيث توزع أسماء الأسرة الواحدة بين سجلات (المواطنين) (الأجانب) ومجموعة (المكتومين). على سبيل المثال عائلة العلو من مدينة رأس العين المكونة من ثلاثة إخوة، اثنان منهم أجانب والثالث مواطن. وفي بعض الحالات الأخرى الأب مواطن والأبناء أجانب.

محمود جميل (49) عاماً محام لا يستطيع مزاولة المهنة كمحام، وهو المولود في دمشق، تم تجريد عائلته من الجنسية بعد انتقال والده إلى رأس العين إحدى مدن محافظة الحسكة ليعيش فيها.

وقال: (كان ينتابني إحساس مرير عندما كنت أرى أحد زملائي على مقاعد الدراسة وقد أصبح صاحب مكتب ومحامٍ معروف وأنا مجرد عامل بسيط)، وأضاف فكرت كثيراً في الهجرة إلى أوروبا من أجل مستقبل أولادي كي لا يعيشوا المصير نفسه، لكننا ممنوعون من السفر أيضاً بموجب القوانين التي تطبق بحق الأجانب والمكتومين، ويتساءل من يستطيع أن يعوض ذلك الإحساس بالمرارة واللا انتماء القانوني الذي عشناه.

يتذكر كمال أحمد كيف طردت إدارة المدرسة ابنته روج ذات الست سنوات من المدرسة، بينما كان يبحث لها عن شهادة تعريف من قبل المختار حتى تقبل في المدرسة.

فيان محمد خريجة إعلام، كانت الأولى في الثانوية العامة على مستوى المحافظة إلا أنها لم تستطع الحصول على شهادتها الثانوية بموجب القوانين النافذة بحق المكتومين إلا بعد القيام بمتابعة الإجراءات التي استغرقت الكثير من الوقت، وبذلك لم تستفد بشيء من تفوقها هذا وتابعت دراستها الجامعية على نفقتها في إحدى الجامعات الخاصة.

تقول فيان: (لا أصدق أنني أصبحت ككل الناس مواطنة طبيعية أستطيع أن أسافر وأن أتوظف بشهادتي).

الفقراء كانوا في وجه المدفع:

وأكثر من تكبد المعاناة من هذه المسألة إذا ما تجاوزنا الوضع القانوني الذي كانوا يعاملون على أساسه والذي كان موحداً بالنسبة للكل نجد أن الطبقة الفقيرة من القرويين والفلاحين الذين لا يملكون أي شيء هم أكثر من تضرر وتأثر بهذا الإحصاء، حيث أغلقت جميع الأبواب في وجههم دون القدرة على تخفيف شروطها وتبعاتها عليهم بسبب أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية الصعبة.

الإحصاء من ناحية القوانين:

يقول الأستاذ محمد خليل (محام): هناك الكثير من الجوانب القانونية في القانون السوري التي تنص على حق هؤلاء الأجانب في الجنسية إلا أن التعسف في استخدام هذا الحق من قبل بعض الجهات حال دون منح الأجانب الجنسية.

حيث نصت المادة الثانية من المرسوم التشريعي (276) لعام (1969) على ما يلي: تثبت جنسية الجمهورية العربية السوريّة لمن كان متمتعاً بها وفقاً لأحكام المرسوم التشريعي رقم (67) الصادر بتاريخ (31/10/1961) (أي قبل الإحصاء بعشرة أشهر فقط) وقد نصت المادة الأولى من المرسوم الأخير على الآتي:

أولاً: لمن يتمتع بالجنسية السوريّة في (22 شباط 1958).

ثانياً: لمن اكتسب جنسية الجمهورية العربية المتحدة من المواطنين السوريين في المدة الواقعة بين (22 شباط 1958) و(28 أيلول 1961).

أما الفقرة (هـ) من المادة الثالثة من المرسوم (276/1969) فقد اعتبرت من ينتمي بأصله للجمهورية العربية السورية عربياً سورياً حكماً، والمنتمي بأصله هو (أن يكون أحد أصوله لأبيه مولوداً في سوريا وتثبت الولادة للأصول بوثائق رسمية أو بالتحقيقات الإدارية).

كيف يتم تعويض الأجانب:

يأمل جمال ملا محمود بأن هؤلاء الأجانب بعد حصولهم على الجنسية أن يتم تعويضهم مستقبلاً عن سنوات الحرمان التي عاشوها عبر اتخاذ مجموعة من الإجراءات، أولها أن يتم توزيع أراضي أملاك الدولة وهي ذات مساحات واسعة في محافظة الحسكة على الفلاحين منهم.

أن يتم توظيف خريجي الجامعات من الأجانب مباشرة وأن يراعى شرط العمر بالنسبة للذين تخرجوا منذ سنوات.

والسماح بالعودة إلى سوريا لكل من هاجر منهم إلى أوربا وغيرها من الدول بطرق غير شرعية هرباً من شروط الحياة التي كانوا يعيشونها بسبب حرمانهم من الجنسية.

ويضيف ملا محمود: (أتأمل من المعنيين أن ينظروا إلى كل هذه المسائل العالقة والعمل على معالجتها وتفكيكها حتى يتمكن هؤلاء المواطنون من اتخاذ مكانهم الطبيعي في المجتمع).

إغلاق ملف الإحصاء وتبعاته:

ويعتقد الكثيرون أن المسألة تحتاج إلى معالجة قضية المكتومين التي لم توضع لها أية حلول حتى الآن، وهي برسم الجهات المعنية ولعل هذه من مهمات الجهات التنفيذية في المحافظة، وذلك بالطلب والعمل على تسريع أية (تخريجة) لهؤلاء ، فهم سوريون أولاً من أبناء هذا الوطن، وحل مشكلتهم سيكون جزءاً من العمليات الإصلاحية الجارية في البلد.

أبيض و أسود

بواسطة aljazeerasy

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s