نعل شرس – بقلم زاكروس عثمان


ابتهج الأستاذ پلچقي بن أبي پللخي أيما ابتهاج,باقتنائه حذاء جديد بعد أخر حذاء اشتراه منذ عامين وأربعة اشهر وثلاثة أيام,احتفل أطفاله وزوجته بالحذاء لساعة متأخرة من الليل,وفي الصباح انتعل الحذاء,وهو لا يصدق متى يصل المدرسة حتى يتباهى به أمام الطلاب والزملاء والزميلات خصيصا,قبيل مغادرته المنزل نصحته زوجته بان لا يلفت الأنظار إلى الحذاء,يعني مدرس عنده حذاء جديد شي ما يدخل العقل,إلا إذا كان ربحان شي ورقة يانصيب كندي,أو عميل لاستراليا,أو يتاجر بالمخدرات,أو مهرب دروس خصوصية,زجر پلچقي زوجته:يا حرمة الناس صارت عندها هليوكوبترات وما حكينا “هلق راح يحسدونا على شقفة صرماية” .
خرج پلچقي يتبختر أمام الجيران,وكلما صادف احد المعارف يقوم بحركة برجليه حتى يلفت أنظارهم إلى الحذاء,ولم يكد يقطع شارعين,حتى اخذ الحذاء يضايقه,فاعتقد انه ما زال جديدا,ولسوف يتوافق مع قدمه مع الاستعمال,وحين وصل المدرسة,فقد نسي أن يلفت الأنظار إلى الحذاء,الذي ضايقه حتى الوجع,ولكنه اعتبر الأمر “شي عادي”ودخل إلى طلابه,فأحس بالحذاء ينكمش ويتقلص على قدميه,حتى كاد أن يصرخ من الوجع,أراد مغادرة الصف لينظر في أمر الحذاء,ولكنه تحرج أمام الطلاب,فقال:لا باس سوف أتحمل ريثما تنتهي الحصة,ولم تكد تمضي دقائق أخرى,حتى شعر أن الحذاء قد نبتت له أسنان تقضم عظام قدميه,أه الوجع لم يعد يحتمل,وفي حركة لا إرادية انحنى پلچقي,يريد نزع الحذاء من قدميه فوجد الدماء تسيل منها,وحين امسك بالحذاء لينتزعه,أصدر الحذاء صوتا تحذيريا مياووع…فخخخ وويععياو,كصوت قط عمره مليون سنة,يرفض أن ينتزع من بين فكيه فأر شهي,جاهد الأستاذ پلچقي ليتخلص من الحذاء,ولكن الحذاء ازداد شراسة, تيقن الأستاذ انه يصارع كائن حي يلتهم قدميه,ودخل الطلاب المعركة إلى جانب أستاذهم,دون جدوى فقد التهم الحذاء نصف أعضاء المعلم,ولم تترك منه سوى أشلاء,فجأة أحس الطلاب أن نعالهم تفعل بهم ما فعل الحذاء بالمعلم,فاخذوا يصرخون,حضر البقية,وقد راعهم المنظر أحذية تفترس بشرا,فحاولوا إنقاذ الطلاب المنكوبين,فوجدوا أنفسهم من يحتاج إلى انقاد,فقد اخذ حذاء كل واحد يفتك بصاحبه,أتت النعال على كل من بالمدرسة,مجزرة رهيبة,ثم خرجت إلى الشارع تلتهم المارة,وتبعث الحياة في أحذيتهم الجامدة,وسرعان ما التهمت سكان المدينة كلهم,عدا طيف الأستاذ پلچقي,الذي ما إن لمح النعال تبتعد,حتى توارى عن الأنظار,وهو لا يصدق ما حدث,سرحت قطعان النعال تغزو المدن والبلدان,ترتكب ذات الفظائع,وطيف پلچقي متخفيا يراقب الكارثة من بعيد,وهو يقول:إنها حرب إبادة للجنس البشري,يا الله من أين أتيت بهذا الحذاء اللعين,وجلس يبكي على أبناء جنسه,مضت شهور عديدة دون أن يلتقي بجنس مخلوق,فيما النعال ابتعدت تعبر القارات والبحار,تتصيد البشر,مما شجعه للتسلل إلى المدينة,فقد كان يتحسر لزيارة منزله ليطمئن على أسرته,ولكنه لم يجد غير ذكريات مقتولة التصقت أشلائها بالجدار,بكى الطيف بحرقة,ومن فرط وحدته وآلامه,تمنى لو يقع بين براثن حذاء ليكمل عليه,فالموت أفضل من فقده لزوجته وأطفاله,فماذا يفيده البقاء في عالم ليس فيه بشر,لم يبارح الطيف مسكن ذكرياته,يسأل شتلة الريحان المتيبسة التي زرعتها زوجته بيدها,يسألها كيف افترست النعال عياله,هل أرعبوهم هل أوجعوهم,ويستنطق شقوق الدار عن العصفور الذي بنى عشه فيها,وبعد مدة أحس بخفقات قلب صغير,يهبط من السماء نحو الدار,تحولت الخفقات إلى رفرفة أجنحة,حطت بين شقوق الدار,طار الطيف فرحا وهو يقول:العصفور العصفور انه حي انه قد نجا,في الأيام الخوالي كان هو وأطفاله يرمون حبات الحنطة على مرمى نظر العصفور ويتأملونه,دون أن يزعجوه,فصارت بينه وبينهم إلفة,و الآن كم هو متشوق أن يمسك به ويعانق مخالبه الصغيرة ومنقاره وكل ريشة فيه,انه الباقي من رائحة الأحباب,ولكنه خاف أن يخرج فيجفل العصفور فلا يعود ثانية,انفطر قلبه توقا فبكى,ليسمع على الجانب الأخر زقزقة العصفور,وهو يبكي أيضا,غمرت السعادة قلب الطيف,فقد أدرك أن العصفور قد ألف صوته,فخرج إليه,وخرج الطير من عشه وحط على كتفه,فأخذه في حضنه وعانقه بعدد أفراد أسرته,ودخل به المنزل,أطعمه واحتفى به,وهو يقول:أيها الطير الجميل ليتك تعلم أنني مهما احتضنتك لن اشبع حنيني إلى أطفالي,ليتك كنت تنطق لتخبرني هل كنت موجودا حين التهموا أحبابي,أه أيها العصفور ليتك تعرف عذاباتي وأحزاني,انحدرت دمعة من مآقي العصفور وقال:هذا أنا يا أبي طفلك الصغير,بحثت عنك في الأصقاع كلها ولم اعثر عليك,بهت الطيف,وبعد أن استرد شيء من توازنه,سال العصفور ولكن يا بني كيف صيروك عصفورا,فأجاب:قصة طويلة يا أبي لن ارويها لك فهي لن تزيدك إلا أحزانا,بالله عليك يا ولدي فقط قل لي كيف قتلوكم,أه ليتني مشيت طوال عمري حافيا وما اقتنيت ذاك الحذاء,أبي لن أخبرك إلا بشيء واحد,وهو كيف أن النعال اكتسبت الحياة,بعد الكارثة جبت العالم كله متواريا عن الأنظار أتتبع النعال,وكلي توق إلى معرفة سرها,حتى تسنى لي التصنت إلى زمن رديء يحكي للموت كيف انه خلق النعال,سأل الطيف العصفور وكيف كانت بدايتهم يا بني,أجاب العصفور,سمعت ذاك الزمن الكلب يقول:انه يكره البشر خلقة,لهذا تكور جرثومة خبيثة,و دخل جسد خنزير بائس,أصابه بالمرض,قاطعه الطيف تعني أنفلونزا الخنازير,أجاب العصفور لا لا بل أنفلونزا النجاسة والجرب,وبات الخنزير منبوذا غير مرغوب به,وفي النهاية ألقى صاحبه به في البراري,عله يكون من نصيب احد الضواري,في العراء استوطنت جرثومة زمن الحقد جلد الخنزير,فاخذ الجلد يستهوي لحوم البشر,ولأن الخنزير لم يقوى على الافتراس,فقد اخذ الجلد يضيق على جسده حتى فتك به,وتركه جيفة مرمية على مفترق هفوة,وصدف إن مر اسكافي بالجيفة,فانتزع جلدها وحمله إلى حانوته,وهو يقول:سوف اصنع منه أحذية ونعال تدر علي أموالا,اشتري بها صمت زوجتي التي “بخشت” إذني بطلباتها المؤجلة,فأجهد نفسه ليصنع أحذية ما صنع مثيل لها من قبل,حتى انه استغرب من حالة الشغف التي ألمت به حين بدأ يشتغل على هذا الجلد النتن,ولم يفهم لماذا يعالجه بكل هذا الإتقان والمهارة,وكأنه يعالجها بروحه وليس بيديه,انتهى الاسكافي من تجهيز أزواج من الأحذية,وهو يمني النفس ببيعها بأغلى الأسعار,وضعها على الرفوف بانتظار الزبائن,مرت أيام وأيام ولم يطرق زبون بابه,فاعتقد المسكين أن اختفاء الزبائن مرتبط باختفاء النقود من جيوبهم,وبتبخر سكان المنطقة بفعل انحباس عناية الحكومة, وانقطاع المطر,أو نتيجة أزمة الشعير العالمية,حيث بات هم الناس تدبير حاجياتهم الأساسية,أما الأحذية فمن الكماليات,اذ يمكن للأطفال الذهاب إلى المدارس حفاة في زمهرير الشتاء”ما في مشكلة”المهم أن تكون في بطونهم كسرات من خبز الشعير,فانتظر أيام أخرى,والزوجة تلح عليه أن يشتري المازوت “قل أعوذ برب الفلق”وان يفي بوعده لها بشراء غسالة اوتوماتيك “يا ستار” نفذ صبر الاسكافي وقال في نفسه:” فقر امرنا لله بس مو معقول كل الزبائن ينقطعوا دفعة وحدة ,شي بيطير العقل ” هناك زبائن يملكون أثمان الأحذية فأين هم,لا لا “الشغلة مو شغلة أزمات مزمات, في سر بالموضوع شي مو طبيعي ” منذ اليوم الذي صنعت فيه تلك النعال انقطع الزبائن عني فلم أوفق حتى ببيع النعال الأخرى,يبدوا أنها فآل سيء,لعنة حلت بي وبدكاني,أغلق الاسكافي الدكان,وبقي لشهور متواصلة يتشاور ويتشاجر مع زوجته,فقد كان يفكر بتحويل الدكان إلى محل لبيع الخمور أو صالة بلياردو أو كوفي نت أو مقهى تحشيش,أو كرخانة kerxane ,والزوجة ترفض ليس من اجل الحرام والحلال,بل لأنها تعرف أن هذه المحلات تكون مرتع خصب للـ…ار,والـ… اد ,والـ…ارة,وهي تخاف على زوجها أن “يعلق مع شي وحدة تبيع جسدها مشان صندويشة فلافل”,ولأنهما لم يتفقا قرر فتح الدكان من جديد,وقد لاحظ خلال انقطاعه أن عدد أحذيته الأخرى قد تناقصت ,وهي في تناقص مستمر يوميا,ها ها الناس من الفقر ” بلشت تسرق ” ووجد بالمقابل أن الأحذية التي صنعها من جلد الخنزير بدأت تثخن وتتورم و تنمو وتكبر,ها ها إنها من الكساد بدأت تتعفن,بقي الحال هكذا حتى انقرضت الأحذية من الدكان,ولم يبقى منها غير تلك التي صنعها من جلد الخنزير,ففكر أن يلقي بها في حاوية القمامة,طالما كانت شؤما عليه يوم وضعها بدكانه,هنا أحس بأثر حركة خفية,وأصوات مجهولة خافتة,فاعتقد أنها جرذ تسلل إلى الدكان يريد أن يقرض جلود الأحذية,حيث عز على الجرذان أيضا في هذه الأيام أن تحصل على رزقها,فلم يعد ثمة فائض من الأطعمة لدى الأهالي حتى يلقوا بها أرزاقا للقطط والكلاب والقوارض,هذا غير فصائل أدمية قد أخذت في الآونة الأخيرة,تزاحم الجرذان على حاويات القمامة,بحث الاسكافي في الدكان فلم يجد قط أو فأر,تحول الأثر إلى حركة محسوسة,وارتقت الأصوات إلى زمجرة,ثم لاحظ تصرفات مريبة لدى النعال,بعضها يتثاءب,بعضها يمط رباطه,بعضها يفتح شدقيه مبرزا أسنانه,بعضها تتأهب للانقضاض عليه,قفز المسكين يتلو متلعثما:قل أعوذ برب الفلق من شر ….,ثم قال في نفسه:يبدو أن الإفلاس وضيق الحال قد طير عقلي” اللعمى وصلت معي المواصيل حتى أتوهم النعال تمشي لحالها” من أين له أن يفطن بأن الأحذية الخنزيرية صارت خلائق,لها غرائز العطش والخوف والجوع,من أين له أن يعرف بأنها التهمت بقية أحذيته,وهي في طريقها لافتراسه,فاستطابت لذة دم الإنسان ولحمه ومذاق عظامه,لتخرج من الحانوت تبحث عن طرائد أدمية طازجة,حتى تتكاثر وتتفوق على الإنسان,قادتها غريزتها لتتسلل إلى محلات الأحذية لتنقل عدوى التخلق إلى بقية النعال,وحين اقتناها الناس لاحت فرصتها بالانقضاض عليهم.
فهم الأستاذ پلچقي انه كان من أوائل الناس,ممن اقتنوا أحذية,دون أن يدروا أنها قد تحولت إلى غريزة مدركة لذاتها,فضرب الطيف رأسه بالجدار,يقول ” بس هادا مستحيل المستحيل شي ما يدخل العقل” ولولا أنني شاهدت الفظائع التي ارتكبت,ما كنت اصدق ذلك,فقال العصفور:لا مستحيل ولا ” بطيخ مبسمر هادا اللي صار” هناك سوابق تسيد فيها زمن اجرب,ورفع الظلام دهورا فوق مقام الضياء,فدمر وخرب,فلا تتعجب اليوم إذا سادت النعال مصير هذا الكوكب,هي الآن في أوج قوتها تلتهم وتفترس البقية الباقية من البشر,تسمن وتتضخم وتتزاوج وتكثر,فقد عبرت الصين وقضمت أطراف أمريكا,لقد خرجت عفونة من جلد خنزير,ونزلت الشوارع,والناس مذهولين منها, تلتهمهم ولا تشبع,والعالم صار” حيصي بيصي”بعضهم أبى أن يكون فريسة لأحذية نتنة مهما تعملقت,فقاتلوا وماتوا,وبعضهم لم يتحملوا فاحترقوا في كرامتهم,مفضلين أن يكونوا حطبا للنيران على أن لا يكونوا علفا للنعال,والبعض فضل الخمود ليبقي على حياته,أما أنا فقد فضلت أن أكون روحا في جسد عصفورا وليس فريسة في بطن شحاطة,قال الطيف:إذا البشرية في طريقها إلى الانقراض,العصفور نعم إذا لم تكن قد انقرضت فعلا,لو خرجت تجوب الأرض,قلما تعثر على ادمي,اللهم أفراد مشردين في القطب نجوا من المجزرة,وها أنت أيضا في كل نكبة تنقذك الجبال,فالنعال تعجز أمام الجليد وتهلك في الجبال.
افترست الأحذية أعداد لا تحصى من الرجال والنساء,وهرست ما طاب لها من مقبلات,منازل وعمائر ودوائر,وبعد وجبات الدسم,أخذت قيلولة الظهيرة,وهي متأكدة أن البشر قد استوعبوا الدرس,ليعترفوا بأن زمن الأحذية قد بدأ,يفرض مشيئته دون تصريح,على الخامدين والصاغرين,بأن يقلبوا الآية قليلا,فينقلوا مقام النعال من تحت أقدامهم ليضعوها فوق رؤوسهم,وكل بشري مخالف مصيره الافتراس,واليوم تجد حثالة البشر ممن ارتضوا بالهوان, يسيرون حفاة,يسجدون ويسبحون باسم الأحذية,التي لن تهدأ,ما لم تخضع الأرض بجمادها وأحيائها,تناسلت النعال ما يكفيها بالسيطرة على اليابسة والبحار,فقبضت على الموجودات,كأجسام دخيلة لا يجوز لها الإقامة في أكوان مخصصة لها وحدها,وساقت الأنعام والإنس والجن والطير والأنهار والإلهة إلى العدم,إلا أشياء مجهولة لم تفطن الأحذية إلى وجودها,أشياء احتمت من السبي بالصمت والصيام,وعبرت بأضعف الإيمان عن كينونتها, فخلعت نعالها دون أن تضعها على رؤوسها كما فعل الجميع,ودخلت مع دب الانتظار في سبات ابدي,مضت دهور ودهور,والحشر حافيا يزدحم خارج الوجود بمشيئة الأحذية,إلى أن استفاقت نسمة الخفاء,فعادت من جديد تتسلل إلى الوجود,وحين لامست انف السبات,تدحرجت فكرة في راس الأستاذ پلچقي فنهض من أشلائه,يعيد المشهد في ذاكرته,وهو يترقب عالم الأحذية المرعب,هنا التحق به العصفور,وقد ساءه ما سمع منه عن ما آل إليه حال الوجود,فقرر أن يعجن الفكرة الوحيدة,ليشكل منها كونا جديدا خال من الأحذية,وسرعان ما شمت الأحذية الخبر,لتجوب المجرات,وتقتحم الثقوب السوداء,وتقتلع الضوء وتلتهم الزمن,بحثا عن الطيف والعصفور,اللذان عرفا التكيف مع الحالة,حيث زودهم الرعب بتراث عظيم من فنون المواربة,وصارت لهم فراسة طيبة,تتوقع سلوك وتصرف الأحذية,متى تظهر متى تختفي,متى تأتي متى تنصرف,ليأخذوا حذرهم,عجزت النعال عن العثور عليهم أو الإمساك بهم أو دفعهم إلى العدم,فارتضت لهما بالبقاء مؤقتا,هدنة غير معلنة,قد تدفعهما إلى التخلي عن الأحلام,التي تحدث بها الطيف إلى العصفور,بقي الصديقان في الخفاء يعجنان الأفكار مدى السنين,كي تتخمر كوكبا لكل مشرد,واتفقا على التمرد على.
خرج الطيف يكمن للنعال,فاسر بعضها,وروضها و انتهك المقدس و انتعلها,حاملا روحه على كفه,واندس بين صفوف الأحذية,يقرأ سلوكها,يلحظ أنماط معاشها,يستكشف غرائزها,يحلل ذهنيتها,يتتبع تاريخها,وما سر تفوقها,أراد أن يفهم هذه الأحذية المتوحشة,التي تصيد الآدميين,ليس لجوع بل لإشباع طبعها المجبول على غريزة الافتراس,لربما يستدل إلى وسيلة بها يكافح الأحذية,فوجد نقطة قوتها في ضعف الفريسة ذاتها,التي لا تجد غير التخبط والهرب منفذا للنجاة مدفوعة بغريزة الخوف,إذ كلما لمس حذاء ضاري خوف فريسة,تتأصل في كيانه غريزة الوحش,فيزداد ضراوة,و تزداد الفريسة هلعا,وحين تصبح الفطرة غريزة محضة,يسود قانون الأحذية,وتنتفي فضيلة الحكمة,وتغدوغريزة المطاردة وغريزة الهرب ناموس,ينظم إيقاع الحياة,علاقة ملعونة بين المفترس والفريسة,فالحذاء يقتنع بأن القدر كلفه برسالة القتل,والآدمي يؤمن بأن القدر أوكل إليه مهمة بان يكون ضحية,فلا القاتل يفكر أن يفترس باعتدال,ولا المقتول يفكر أن يضحي باعتدال,فتغدوا مسالة القاتل والمقتول مسالة كونية,لا مفر منها,تمليها ضرورات استمرار الحياة,تحدث الطيف إلى العصفور بمكنونات روحه,وبين له أن قيمة الآدمي أعلى من أن تكون فريسة لحفنة أحذية عفنة متطفلة,وان الإنسان بكينونته الخاصة تجاوز نواميس البداية,حيث لم يعد اسمه يدرج في السلسلة الغذائية كوجبة للوحوش في غابات الهمجية,ليأتي في أخر الزمان ويمسي عبدا للأحذية,صمت العصفور برهة,يتفكر فيما سمع,ثم اخذ يزقزق مرارة ونشيجا لا يخلو من أمل وهو يقول لصاحبه:أنت تفكر,والفكر خير من الأحلام,ولكن تأكد انك توا قد وجهت مصيرك صوب الم قد لا يكون له نهاية,فالأحذية لا تكره شيء كما تكره الأفكار,وإذا كانت بالأمس تتجاهل وجودك فأنها فعلت لأنك مجرد طيف,أما وقد أفصحت عن عقلك,فلا تتوقع راحة بعد اليوم,سوف تطاردك وان فشلت في افتراسك,فأنها سوف تجبرك على النزوح إلى العدم,لا اعرف رغم أن الأجواء غير مشجعة,حيث توازنات القوى,في السماء والأرض,تصب في خانة الأحذية,فان ضباب مؤلم يلف يقيني و يدفعني وحيدا اعزلا,إلى خوض هذه الحرب القاتلة إلى جانبك.
التزم الصديقان جانب الحذر,وهما يفكران في الإعداد لنوع غير مسبوق من الحروب,إنها أول مرة,تقع فيها مواجهة بين الآدميين وبين النعال,وهذا ما يربك الصديقين,إذ لم يسبق لهما إن خاض احدهما معركة اعتيادية,فكيف لهما فتح جبهة قتال طرفها الأخر نعال,لم يكن الآدميون يعيرون اهتماما للنعال إلا كمداس لهم,فمن أين لهم توقع أن النعال قد تدب فيها حياة و غرائز و تغدوا وحوش ضارية,لم يجد الصديقان في تراث الطير والبشر,ما يسعفهما من خبرات الأجداد في خوض الحروب,فقد أشعل الأولون الحروب ليقتل بعضهم بعضا,ولم يتسنى لهم تصور خطر مفاجئ قد يداهمهم من حيث لا يدرون,فلم يصغوا إلى صراخ الفطرة,وهي ترتعب من زئير الشر الذي نهض يعي ذاته,نهض الشر المجرد يحمل الانتقام,دخل جلد خنزير,واستقر كيانا في حذاء,أدرك الصديقان بان النعال,كيان غريزي مطلق,واع,شرير,قوي,فكيف لهما دخول صراع لا تكافئ فيه,وليس لديهما من وسيلة غير رغبات متكسرة,وإرادة خضراء بقيت يانعة في ضمائرهم,إنما هو اليأس حين يستبد يفعل بالنفوس ما يفعل الأمل,فكم موات أثمر زهرا,اتفق الطيف والعصفور على الترصد للنعال والنيل منها فرادى في كمائن ليلية,فوقعت صدامات حامية كلفت النعال خسائر,قاتل الطيف بأسنانه يمزق النعال,بينما العصفور يضربها بمنقاره,ارتعبت ملة النعال,ففي الوقت الذي ظنت فيه أنها تسيدت الكون,تفاجئ بأطياف وطيور تتحداها,فقررت شن حملات مستمرة لسبي السماء,واسر الوجود,واختطاف النجوم,لإجبار الأرض على لفظ ما بقي على سطحها من فلول البشر,فانتشر الرعب بين الأكوان,والنعال تقدح شررا,تلتهم ما يصادفها دون تمييز,خاض العصفور والطيف معركة الشرف,اقسم الاثنان على الموت دون السماح للنعال بان تحط على رأسيهما,خرجا منفردين يقاتلان جحافل الأحذية,دام القتال عديدا,أباد خلالها المقاتلان ملايين النعال,ولكن جيفة الخنزير بقيت تطرح دودا يتحول إلى أحذية,ولم يعد للطيف والعصفور سبيلا إلى مكافحة شر يتوالد بلا توقف,ولم يعد الاستمرار في القتال مجديا,فقد أتلفت الحرب أسنان الطيف ومنقار العصفور,وبات عليهما اختيار الموت أو مراجعة الموقف,فقال العصفور:هل تتذكر يا صديقي حين خضنا القتال لم يكن لنا أمل بالصمود غير أيام نموت بعدها,فإذا بالأيام تدوم دهورا,وإذا بالإحباط يرتفع غاية,ونحن وإن فشلنا في إبادة النعال,فأننا لم نعطيها فرصة الانتصار علينا,بل صمدنا وحاربنا,وهذا انجاز لنا,علمتني هذه الحرب,إمكانية إبادة النعال,ولذلك أجد طلب الموت خيارا غير حكيما في هذه المرحلة,موتنا يعني انتصارا نهائي للأحذية لتتسيد الأرض إلى الأبد,وتفوت على الآدميين فرصة المقاومة,لماذا لا نأخذ استراحة محارب,لنراجع تجربتنا وننظر فيما يمكن عمله لاحقا,فمن يدري بالزمن عله يبدل مزاجه,وينقلب على الأحذية… صمت الطيف ساعة,وهو يتحسس أسنانه المعطوبة,ثم أجاب:معك حق,الحرب علمتنا الكثير ولا بد أن نأخذ منها العبر,لقد أدركنا أن النعال ليست مجرد غرائز تعي ذاتها,بل هي شر ذكي يتوالد,وقد تبين لنا أن القتال وحده ليس الأسلوب الأمثل لإبادتها,ثمة ثغرة لم نفطن إلى سدها,فكانت حربنا على جبهة العبث,لقد كانت هذه الجلود المقززة أكثر حنكة منا في إدارة الصراع,استنزفت قوانا وأهدرت أعمارنا,وشغلتنا بمعارك لا طائل منها,بينما هي تدير حربها الحقيقية في الخفاء,بعيد عن أنظارنا,لقد خدعتنا النعال,وعلينا التفكير بأشياء أخرى غير أسناني ومنقارك,ننقذ بها الوجود من زمنا ضميره,دودة في جيفة خنزير,أنت محق,حتى لا ننخدع ثانية,علينا العودة إلى ذواتنا,لنجد عقارنكافح به,كل حذاء,تطاول على آدمي.
على الطرف الأخر,اعتبر كبير النعال على أن الاختفاء المفاجئ للطيف والعصفور,بأنه محاولة منهما,لتدبير خطة جديدة ضد معشر النعال,فدعا زعماء الشحاطات والقباقيب والكنادر والجزم و الصرامي إلى وضع حد لتمرد الصديقين,على مبدأ “نتغذى بهم قبل ما يتعشوا بنا”فاتفق الجميع على ملاحقتهما,لكشف نواياهما العدوانية وإحباطها,إذ أن أكثر ما أثار هلع كبير الأحذية,سماعه بان العصفور والطيف منكبان على دراسة “ساتيا گراھا”وهذا يعني إنهما في طريقهما إلى تعاطي فلسفة تعتمد قوة الحقيقة وليست قوة السلاح,في الجولة القادمة من الصراع,وهذا ما جعل النعال تشعر لأول مرة بان الأرض تهتز تحتها,سمعت الأحذية صوت الهلاك يقترب منها,حين عرفت لماذا تحول الصديقان إلى العمل السري,يا للكارثة إنهما يدرسان الفلسفة,بها يستكشفان جبروت حقيقة الإنسان,ماذا يمكنها أن تفعل بطغيان الباطل,لو استدل الآدمي إلى مفتاح ذاته الخلاقة,فسوف يعرف كيف يكسب الله إلى جانبه لدحر الشر دونما قتال,فالمعركة المصيرية ميدانها النفوس ومادتها العقول وجنودها القلوب,لم يتحمل النعل العويظم وقع التسريبات الجديدة,فعض على كعبه,يكاد أن يمزق جلده,وهو يصرخ:ما بكم لا تحركون أربطتكم البليدة,هل تنتظرون الأطياف والعصافير أن تأتي وتدوس بطونكم,هل رأيتم كيف أنهم وصلوا إلى ما كنا دائما نخاف أن يصلوا إليه,لقد وصلوا إلى عقولهم,أه لقد اكتشفوا نقطة قوتهم الوحيدة,وعرفوا نقطة ضعفنا,اعلموا إذا متى ما تخلص الآدميون من غرائزهم,واستعانوا بأدمغتهم,فان نهايتنا حتمية,وهذا يحتم عليكم أن تقلبوا كل ذرة في الكون,حتى تعثروا على الطيف والعصفور,وإذا صعب عليكم إبادتهما,فعلى الأقل لا تسمحوا لهما بفرض الآليات التي يريدون إتباعها ضدنا,فنحن لم نتفوق عليهم إلا لأننا نمتلك زمام المبادرة,حيلة انطلت عليهم حين دفعناهم إلى القتال,ويجب أن نزجهم في معركة جديدة,تشغلهم عن الفلسفة,لقد وهبنا الله نحن سلالة النعال نعمة الغريزة,وقد شاءت حكمته أن يوهب الآدميين ملكة الفكر,ولحسن حظنا أن جلهم لا يعمل بها,ما سمح لنا بالتفوق,ولكن موازين القوى أخذت تتبدل بمساعي العصفور والطيف,أقول لكم أن مصيرنا بات مهدد,فشدوا أربطتكم,وادهنوا جلودكم بأدمغة الآدميين,واجعلوا عظامهم كعاب لكم,وتسلحوا بما استطعتم من المسامير تدقون بها جباههم,انتشروا في المغارب والمشارق,واحضروا لي هذين المجرمين من تحت “طقاطيق الأرض” .
سرحت الأحذية صعودا ونزولا,في الأسفلين والأعليين”نطت وما حطت “تشمشم أثار العصفور والطيف,إلى أن ظفرت خياشيمها,بأخبار لم تعهدها من قبل,فعادت تنبأ سيدها,بان الصديقين,قد اعتزلا في ضياء فطرة,يتلقيان شيء جديد يسمونه الهام,قفز النعل العويظم في الهواء ودق بكعبه العالي على الأرض غضبا,يصرخ في أتباعه:ما الذي اسمعه منكم أيها الحمير,هل تتحدثون لي عن الأحاجي والألغاز,الإلهام ماذا يعني”الهام” هل له صلة بالالتهام يا الهي أخاف أن يكون هذان الملعونان أخذا يفكران مثلنا,وربما هما ألان يخططان لالتهامنا,أيكون “الهام” سلاح جديد يشتغلان عليه,تبا لكم أيوجد بينكم زوج شحاطة أو فرد صرماية يشرح لي ماذا يكون الإلهام,انبرى “بوط ” هرم من بين حشود النعال,ليدلي برأيه فقال: سيدي يحزنني أن أخبرك أننا بمفردنا لن ننجح في معرفة ماهية هذه اللعنة الجديدة,فنحن معشر النعال وان تفوقنا على الملل الأخرى بقوتنا البدنية,ولكنهم يتفوقون علينا في جوانب أخرى,خاصة الآدميون يقال أن لديهم ملكة جبارة لا تتوفر في الموجودات الأخرى,قاطع السيد كلام البوط وزجره,هيه مهلا مهلا أيها الجلد الخرف تكاد أن تقول إن ملة البشر اشرف مقاما منا,ما بك هل تريد أن تحبط عزيمتنا,أجاب البوط: معاذ الله يا سيدي,أتوسل إليك أن تسمح لي بإنهاء كلامي,ومن ثم افعل بي ما تشاء,تابع البوط كلامه:كنت أريد القول انه إذا أردنا معرفة حقيقة الإلهام,علينا الاستعانة بالآدميين أنفسهم,فكما تعرفون لقد حشرنا غالبيتهم في أضيق زوايا العدم,وهم يعانون من ذلك شر معاناة,ولا بد أن يكون بينهم بعضا ممن أنهكهم النفي,وهم يتطلعون إلى الخلاص,مثل هؤلاء يمكن أن نعرض عليهم صفقة مؤقتة,بان نعيدهم إلى الوجود,بشرط أن يساعدوننا في التعرف على ملكات أبناء جنسهم ,وبذلك سوف نعرف من خلالهم ماذا يكون الإلهام و أشياء أخرى نجهلها عن البشر,وبعد ذلك نقذف ثانية بهذه الحثالة إلى العدم,استحسن السيد كلام البوط, فأمر أن يصرف له خمسة عبوات من أفضل أنواع البويا المصنوعة من دماغ البشر,مع فرشاة فاخرة مصنوعة من جدائل أجمل أدمية,وسرعان ما عمل بنصيحته,فاحضروا مجموعة آدميين ممن ساحت ضمائرهم في مرجل الرعب الأبيض,وطلبوا إليهم فك شيفرة الإنسان,فبينوا لهم أن العصفور والطيف,قد ذهبا في رحلة إلى أعماق وعيهما,يستدلان بقواميس الروح,لإنقاذ البشرية من قبضة الفناء,حيث أدركا انه على الإنسان أن يسعى إلى تحرير ذاته قبل أن يستحق تحرير الآخرين.
أدركت النعال ماذا يكون الإلهام,ولكنها لم تعرف كيف يمكن لطيف وعصفور أن يستعينا به في التصدي لها,فخرجت مجددا تبحث عنهما,مصطحبة معها مجموعة الآدميين,حتى عثرت على الصديقين,في مغارة ضياء لم تلوث نقائها أشلاء زمن قتلته النعال,مما أتاح للصديقين تأمل أكوان اتساعها لا متناهي,كيف تضيق بأعين النعال فلا تبيح لباقي الموجودات أن ترتاح على كوكب يدور على حواف أفلاك من الدرجة الثالثة,زحفت النعال السود والبيض والبنية والرمادية,للانقضاض على الطيف والعصفور,فارتطمت بسياج ذهني متوهج,أصابها بالشلل وأذاقها مرارة العجز,بدأت النعال تتشقق وتتمزق دون قتال,عضها الجزع في كل موضع,وجع ثقيل طالما عذبوا الآدميين به,وقد حان دورها لتحمل العذاب,وتختبر معاني الألم,حيرة تفتك بها,كيف لطيف وعصفور قابعين في مغارة أن يصبها بالهلع دون أن يحركا ساكنا,عاد سيد النعال يسأل الحكماء,ليجدوا صرفة لجائحة الإلهام,فنصحوه بان يطلب من جماعة الآدميين ممن جف وجدانهم كي يلتحقوا بالطيف والعصفور ويتظاهروا أمامهما بأنهم يرغبون بالانضمام إليهما,مما يتيح لها معرفة ما يفكر به الصديقان والإطلاع على أسرارهما,ومن ثم تعود الجماعة وتطلع النعال على ما توصلت إليه,أرسل النعل المعظم عبيده الآدميين دون رفقة خوفا على بني جلدته من لسعات السياج الخفي,وصلت الجماعة إلى الصديقين,فاختلطت في ذواتهم مشاعر الغبطة والدهشة والمفاجئة,إذ لم يصدقا نجاة سواهما من السبي,وها هما وجه لوجه أمام آدميين ما زالوا مقيمين على وجه الأرض,هذا يعني أن الموجودات رغم شراسة الأحذية لم تنقرض بعد,يا لها من مناسبة سارة,احتفى الصديقان بالجماعة أيما حفاوة,باشر الصديقان وبكل حماسة يشرحان للجماعة أفكارهما حول مكافحة النعال,إذ تبين لهما أن القتال ليس بذاك الخيار الصائب,فلا تكافؤ بين كائن يقاتل بوجدانه وبين مخلوق يقاتل بأرذل غرائزه,ولسؤ الحظ فان الآدميون لا يملكون غير غريزة الخوف,بينما النعال تملك شهية الافتراس,وهذا ما سهل عليها دفع الآدميين إلى الانقراض,ولان الأحذية تتفوق على بقية الموجودات التي لم ينجو منها على كل حال,غيرنا نحن,عصفور وطيف,ولان ظهوركم الغير متوقع قد زودنا بدفع معنوي,ومنحنا الأمل بوجود ناجين غيركم,وقد ينضموا إلينا لاحقا,فإننا ازددنا إصرارا على التفكير بطريقة مبتكرة في مكافحة النعال,تحدث الطيف:نحن لا نحمل ضغينة للأحذية والنعال,كنا نصنع لها أماكن خاصة بها في منازلنا,وفي كل صباح كنا ندهنها بأجود أصناف البويا,ونلمعها بأجود مركبات الجيلا,ونمزق افخر ألبسة نسائنا لنصنع منها خرقة نمسح بها خدود نعالنا لتزداد لمعانا,وإذا ما أصابها مكروه لا سمح الله كنا نسارع إلى الاسكافي ليسعفها بنعل أو مسمار أو رباط,وفي المحلات كنا نعرضها في الواجهات أسوة بدمى العرض البديعة,وإذا انتهى عمرها كنا نتأسف ونذرف الدموع عليها,أتذكر في الصغر لم يكن بمقدور أهالينا اقتناء غير حذاء واحد في السنة,بمناسبة العيد,كنا نخرج إلى الطريق بانتظار عودتهم من المدينة,وقبل أن يصلوا إلى البيت نطلب منهم أن يفتحوا حقيبة الأمتعة,يا سلام كانت أجمل لحظات حياتي حين يقول جدي هاك أيها الجرو هذا هو حذاءك,فاخطفه من بين يديه واركض بفرح صاروخي وأنا على طول الطريق أعانق حذائي,وفي الليل ما كان النوم يداعب جفني إلا والحذاء في حضني,وحتى الأمس فان نساءنا كن يحرصن على أحذيتهن من الفقدان والسرقة أكثر من فلذات أكبادهن,وكذلك في المزادات العالمية فان سعر حذاء نجمة سينمائية أو نجم رياضي كان أغلى بكثير من مهر امرأة في أمريكا,ما يدل على تقدير الآدميين لكرامة الأحذية,ثم قدم العصفور مداخلة قائلا:أيها الأصدقاء كما تعلمون نحن ملة الطيور لم تكن لنا حاجة أو علاقة مع الأحذية,وبالتالي لم نفعل بها خيرا أو شرا,ولكن ثمة ڤايروس ضرب كومبيوتر السماء,فخرب أنظمته,وشوش برامجه,مما دفعه إلى إصدار أوامر خاطئة,أفضت إلى منح النعال وعيا بدائي وإحساس بذاتها,وعي جائع لا يعرف الشبع,دفعها إلى افتراس الموجودات الأخرى,فالمسالة ليست مسالة احتجاج النعال على استخدام الآدميين لها كمداس لهم,لو كان الأمر كذلك لاكتفت بالعداء للآدميين وحدهم,ولكن كما ترون إنها تستهدف الوجود كله,لتنفرد وحدها بالكون,لذلك انضممت إلى أخوكم الطيف لمكافحة النعال,خاصة أن تسريبات ويكيلكس تبين أن العطل في كومبيوتر السماء ربما غير قابل للصيانة,وبالتالي لا يمكن إصلاح الخطأ,فلا جدوى من انتظار السماء حتى تعيد الأحذية إلى سابق عهدها,ولا بد للموجودات أن تتحرك قبل أن تنقرض كليا,نحن لا نريد أكثر من العودة إلى حياتنا الطبيعية,نريد بقعة ارض ولدنا عليها,نريد البقاء وليس الفناء,لا نريد أن نكون فريسة أو مفترس,نريد الطبيعة أن تسير وفق فطرتها,وعلى ما يبدوا فان الإلهة لن تعود إلى رشدها إلا بعد أن تلقي بنا النعال إلى جانب الديناصورات,ونحن نعتقد انه من المبكر على الآدميين أن ينقرضوا,ولهذا لابد لنا من منازلة النعال,وقد وجدنا أمامنا طريق يصعب على النعال مجاراتنا في السيرعليه,سوف نزجها في مجابهة لا سابقة لهم بها,املأ في استنزافها وتحطيم معنوياتها,والفوز حليف من يبادر بالتحرك,نحن نمتلك الروح وهي لا تملكه,ها نحن جالسان هنا نعيد استكشاف رحلة بني آدم عبر تاريخه الطويل,نستلهم منها التجارب والعبر,فقد استطاع الإنسان على الدوام التغلب على الصعاب والتحديات,ليس بقوة عضلاته بل لأنه امتلك مخيلة جامحة وقدرة على التفكير,أي مستلزمات الخلق والإبداع,لقد صارع أسلافنا الأولين الجوع والمرض و الجهل وقوى الطبيعة الغاشمة,والوحوش,وتغلبوا على الوحشية ليبنوا المدنية,ويعمروا العالم,ويسموا بالآدميين إلى مصاف الآلهة,علينا التذكر أن أول مخلوق صنع حذاءا هو الإنسان,واليوم من العار أن يصبح آدمي عبدا لدى النعال.
تركت شروحات الصديقين اثر بالغ في كيان أفراد الجماعة,فتذكروا أنهم أيضا آدميين وأنهم أيضا عبيد للأحذية,واخذوا يستردون حواسهم,وعادت ضمائرهم تتشكل من جديد,وكذلك نهض وجدانهم ينفض عن ذواتهم ركام غرائز بائدة,لتفور نفوسهم بالكرامة,وتضج أدمغتهم خيالا وفكرا,فلم يكن منهم إلا أن اعترفوا للطيف والعصفور بنوايا النعل المعظم,ولكن فرد واحد ممسوخ القلب استطاب حياة الذل,تسلل هاربا واطلع النعال على ما يفكر به الصديقان,مبينا إنهما سلكا الفكر والروح والخيال,طريقا للمواجهة المرتقبة,وقد حققا كبداية أولية نجاحا في كسب أفراد جماعته إلى صفهما,وذلك بإنعاش حركة أذهان يابسة,و تنوير أفئدة احتلتها العتمة,و حراثة نفوس بأثير الكلمة,واقتلاع شوائب الخمود بعود قصبة,ونثر بذار عتق مجيد بأكف حكمة ,وحقن أجواء الهمود بغيمة غضب تهطل الغير متوقع,لينبت عزيمة تعود بالخليقة من الفناء إلى الوجود,سيدي النعل المعظم,هكذا يشتغل العصفور والطيف ببطء وهدوء على تبديل موازين القوى لصالح الأكوان,وان نجحوا فلن تقوم قائمة لكم من بعدها,تعلمون سيدي أن الأمطار الفجائية اكبر تهديد لمعشر النعال,واني أجد الأجواء ملبدة فوق المستطاع,بعد سماع النعل المعظم حديث ممسوخ القلب,انقض عليه وارتشف دماغه المتيبسة,لاعتقاده بان افتراس أدمغة الآدميين يجعله قادرا على التفكير كما يفكر البشر,ولكنه أصيب بالتسمم,ونجا من الهلاك بأعجوبة بعد أن كرع أثنى عشر عبوة كوكاكولا باردة,بعد الحادث بقي يتجشأ طوال عمره,فاقسم بجلد الخنزير الأول انه لن يلمع نفسه ولن يلامس البويا ولن يبدل رباطه,ما لم يقضي على الطيف والعصفور.
صعد الإلهام إلى الطيف فأعاده كيانا متكاملا,بينما زقزقة العصفور بلغت عوالم العدم فألهبت مشاعر الطيور هناك,فهبت تطيح بالنعال الجاثمة فوق رؤوسها,ترفرف صوب الوجود,تتبعها طوابير موجودات,تلتحق بالصديقين,ولم تكن الأخبار لتخفى على النعال,بعد ظهور الملعون ابن الملعون وليام اسانج,مما أتاح لها أن تأخذ حذرها,لتضع خطط استباقية,تضيع فرصة النجاح على الصديقين,وقف النعل المعظم عاجزا مرتبكا,أمام مجرد فكرة,كيف توشك أن تحيله مع قومه إلى نكرة,فاخذ جلده يتشقق هلعا,وهو يسال ماذا يكون مصيرنا,لو وقعت الواقعة,وهزمنا أمام هذه الموجودات التافهة,حيث لا مهرب لنا,سوى أن نكون من جديد مداسا للبشر,ومتى ما أصابنا الاهتراء سوف يلقون بنا في المزابل لتقضم كلابهم الشاردة ما تبقى منا,أو تلتهمنا الثعالب الجائعة,أو يلقون بنا حطبا في مواقدهم,أما أكثرنا حظا سوف يبقى في العراء حتى يتفسخ,مستحيل لا… لا هذا مش ممكن, شيء لا يطاق,إذا لنشعل الوجود رعبا,ونمارس انتقامنا العظيم,أنها حرب إبادة,لن نترك حجر على حجر,لنجفف البحار,لنسمم الفضاء,لنفجر الأنهار,لندمر الحياة,حتى الجراثيم لنقضي عليها,ولن نتردد في قتل الله إذا تسنى لنا ذلك,فعلى ما يبدوا انه يتخلى عنا,لتكن معركة البقاء أو الفناء,فتشوا عن الآدميين في الكواكب والنجوم والثقوب السوداء,انشروا العذاب والوجع والألم والمعاناة من السماء السابعة إلى الأرض,باشرت الأحذية حربها المقدسة,تضيق الخناق على العصفور والطيف,وقد حدث أن بعض العائدين من العدم,لم يتحملوا الفظائع التي ترتكبها النعال,ففروا من المواجهة,إلى النعل المعظم,يعرضون عليه أن يسمح لهم العيش بسلام في بقعة نائية من الكون يختارها لهم مقابل أن يفتحوا له ثغرة في السياج الذهني ليقتحم معقل العصفور والطيف بكل سهولة فيتم أسرهما,والتخلص من شرهما,فلا يعود هناك من يأنف السجود للنعال وتنتهي المشكلة,نعم فالبشر صنفان,صنف من نسل آدم,وصنف من صلب قرد رعديد غادر,وتبعا لذلك تختلف معادنهم أهوائهم ومصالحهم,فلا يتفقون أثناء النوائب,ولهذا فأن أحفاد القرد العاري خانوا أحفاد آدم,وافق النعل المعظم على هذه الصفقة الغير متوقعة التي قدمت له على طبق من ذهب على يد حفنة من الجبناء,بشرط أن تقبل بوضع النعال على رؤوسها,قرأ قرد عاري نوايا المطر بالهطول على ذاكرة سحقها السراب فنسيت طعم الربيع,واطلع النعال عليها فداهمت أحشاء مساء يحمل في شريان الغروب أطياف قوس قزح,هدية لنهار سيمطر عصافير وأطياف,أمسكت الأحذية بناصية الهطول,فهربت الشمس وسقط منها قوس قزح ولد ميتا,فامتلئ قلب العصفور والطيف بضباب يبعث القشعريرة,حيث أدركا أن النعال قد اخترقت ما أقاماه في الأذهان من خطوط دفاع يحتمي بها الآدميون,جاءت النعال,تملئ العقول عذابا,فكان السبي الثاني إلى العدم,وعاد الصديقان وحيدين,يستعدان لمنازلة في زمن لا يحمل لهما ودا,يحذوهما أمل وحيد بالصمود في معاقل فطرة مسيجة بألغاز الضياء وشذرات زمنا خارج التصنيف,حيث يصعب على خياشيم النعال العمياء شم رائحة الأنوار والأزمنة الشاردة والأرواح المترقبة,اكتسحت النعال العالم الأدنى والأوسط والأعلى,وصعدت إلى الدنيا القديمة وهبطت إلى دنيا الحاضر,وحشرت فئران الأمس وأفاعي اليوم في عنق زجاجة,دون أن تظفر بثعالب الغد,ولم يفتها أن تمسح الحاضر عن الوجود,وبعد الزحف العظيم طوقت النعال مشارف الفطرة,وسقطت ملايين منها في أخاديد إرادة,أبدعتها هندسة الخوف الذكي,وانفتح فضاء مجهول التركيب,على أحرف بلا لجام تصب على الأحذية المتهاوية أثير غير قابل للتفسير,عواصف شمسية,قبرت شراسة أوهام راهنت على أقانيم الأبد,صدمة نكراء أفلجت غرائز النعل العويظم في الصميم,عجيب غريب,شيء لا يطاق,أن يلجم القدر,ولا يستطيع الظفر بعصفور وطيف تتفاعل في عقليهما,أناشيد أخيلة و ملاحم وأفكار و جبال و مواعظ و أناجيل و رجل أخير,كيمياء تقية يدثران بها هوى الخاطر,مخافة معدة الواحد الأوحد,أن تهضم ثمرة الجهد الأخير,فتندثر مجرة الخيارات الحميدة,وتسود نيازك الضلال أفلاك أمل يقترب من بعيد,تابع الصديقان لعبة الكيمياء,مناورة يسخران بها من بلادة نعال سميكة,ابتسم لها زمن في مؤخرة كلب يعاني الإمساك,تحيل عظام النجوم برازا للعنة أبدية,لم تنطلي الحيلة على النعال,فعبرت كيمياء الوعي,ولم يعد للعصفور والطيف ملجأ امن,مدت النعال اذرعها,تنزع عن أناشيد الغد رداء التقية,وحاصرت الصديقين,لا هواء ولا شمس ولا ارض,فقط وعي يشرف على الغرق في بحر خيارات,وشاطىء النجاة أرخبيل علقم,جزر للخوف,للصمت ,للحيرة,للصراخ,للإقدام,للإحجام,أكبرها للموت,عواصف منزوعة الضمير,تقتلع الضحايا بلا رحمة,ليأخذ العدم راحته في امتداده الكافر.
ضربت النعال الطوق حول مدارك الصديقين,دون أن تقدر على اختراقهما,ولكنه الجسد حين يحاصر يختنق الروح,لهذا اقنع الطيف العصفور بالرحيل,على الأقل ليبقى غصة في حلق النعال,التي لن تهنئ في العيش طالما هناك كائن أخر يشاطرها الوجود,امتنع العصفور عن التخلي عن صديقه,ولكنه اقتنع أخيرا,وصمم في قرارة نفسه أن يعود ذات مرة ليكافح النعال منفردا,تعانق الصديقان وانهمرت دموع الفراق,وطار العصفور إلى حيث لا يدري,وبقي الطيف محاصرا,حتى تسلل إليه أنجال القردة وسلموه لقمة سائغة إلى النعال,فتكالبت عليه بحقدها الدفين,ولكن هيهات لها أن تقدر على افتراس خواطره المدرعة بالضياء,وحين عجزت عن تصفيته,ألقت به في عالم الآلام والأوجاع,عالم أسفنجي الرئة,الإنسان فيه أحوج ما يكون إلى تنشق أوكسجين محبة,في اللحظة الباقية من عمر حلم يحتضر في مخيلته المتعبة,يبحث في لغته المتأججة في عروق….. عن موطئ صمت,حيث جريان المعنى,في وديان التأويل يفيض مجهولا هاربا من مصبات رتابة تكتنف دلتا الكلمة,مجهول يصعد ذروة مقاصد مفتوحة على الجريان الأبدي…… ترشد قرائها إلى خضم التفاسير عقيقا لجزر نائية,ولكن هيهات الوصول فقد تعمد الطيف بعد بلوغه عتبات الألم العليا أن يترك الزبد لشواطئ انتظار حافي يتعقب الطريق إلى متاهته الأولى,التي لم يترك لنا دليلا إليها في خرائطه الخفية,سمعت النعال بان الطيف العنيد حتى في عذابه,ما زال يملك مزاجا,يغوص به دون جلبة في شعاب مرجان خوفه المنثور,ينشد قيعان شاسعة المعاني,ليتسع العمق الآتي لنوبات حيرة لا ترتوي, قررت النعال اجتثاث حلمه,لتسحب صورة الله من دواخله,فكان الألم شنيعا,يتواتر في خواطر العصفور في منفاه, زقزق طائرا يقول:يا ويلي صديقي في محنة,وحين وصل وجد الطيف عجينة من الم وخوف وغضب جريح,وهو في النزع الأخير,فعرف إن النعال عطبت محرك أحلامه,والتي بدونها لا يبقى لوجوده معنى,فأيقظ صديقه بشق الأنفس ووضع بين أصابعه دواء سحري حتى عاد إلى وعيه,فقال له:حتى يكتب لك البقاء عليك أن تنثر أحلامك,اعرف انك تخاف أذى النعال,لهذا لن ابرح هذا المكان,مصيرك هو مصيري,كلما تاقت نفسك إلى حلم,تذوقه و تلذذ به في الخفاء,وأنا سوف أكون حارسك الأمين,أحذرك من عسس النعال,إذا ما أتت للتصنت على بوابات شرايينك, دع القلم يشاطرك أحلامك حتى لا تموت ,دع ريشة الممنوع تبني عشا لها على غصن فكرة,دع أزيز محرك الروح يهدر على طريق همسة,دعها تنفلت إلى فضاء مجنون,حيث لا تستطيع النعال اعتراضها أو اللحاق بها,عمل الطيف بكلام العصفور,وأطلق العنان لنسور أحلامه,فراحت تشق الفضاء فوق رؤوس النعال,التي احتارت في تجميد هذا الطيف,فعادت إليه تشبعه عذابا,وما كان للعصفور أن يتحمل المشهد,فخرج يقاتل النعال,حتى تمكنت منه,دون أن تستطع الفتك به,عذبوه أيضا والقوا به إلى جانب الطيف,وسقط الأمل الوحيد في الأسر,و رغم الخوف والعذاب بقيت الأحلام ترضع من ثدي إرادة حرة,تناوب الصديقان على الحراسة,كلما خطر لأحدهما أن يلامس أحلامه,وما أن يباشران الحنين حتى يصل الخبر ” أول بول ” إلى النعال,فقررت اجتثاث أحلامهما,حيث يصل العذاب إلى عتبات المطلق,متجاوزا تلك المفاهيم التي تقيس عادة حجم الألم,لن يفيد الـ”آه”ولا الـ”آخ” ولا الـ “أوف” إذا سحبوا الظفر من اللحم, فعدالة النعال تعرف كيف توزع الوجع على ذرات الجسد,ولن ينفع بكاء الروح,فيما لو انتزعوا من العقل غراس الحلم,حيث يكون الاندثار أعمق من كل مفاهيم التحمل,أثقلت النعال شجاعة الصديقين بالمعاناة حتى غابت عن الوعي,ولكنها عجزت عن اقتلاع ما لا يمكن اقتلاعه,لم يتمالك النعل العويظم نفسه وقال:” اللعمى على هلـ الحمارين قديش بيتحملو متل الجحش ” فأمر بتركهما يتأوهان في بركة عذاب,وما إن عادا إلى رشدهما حتى باشرا الأحلام,والحق يقال إنهما كانا يعيشان الذعر والهلع,إذ كلما سمع احدهما وقع خطوات “شحاطة”,أو خبطة “بوط” أو قرقعة “بابوج” على أسفلت الشارع,بعد الساعة الثالثة فجرا,قريبا من منفاه,كانت فرائضهم ترتعش,ويفر النور من مصباح معلق بزاوية اليتم,ويغمض الهواء هبوبه,وتتمزق أسلاك الهاتف على عمود يتهادى هلعا,لم يكن بوسع الأشياء,تحمل مشاهد تهان كرامة الوجود فيها,من قبل عصابة أحذية,تفوح من أفواهها رائحة جوارب منسوجة من جيف خنازير,وهي تتسلق حيطان المنفى,وتحط بعفونتها الثقيلة على صدغ عصفور داهمه الكرى لتعاقبه,لأن منام من دون إرادته اندس بين جوانحه,قبل أن يوصد الباب بوجه أحلامه,أو تجثم على راس طيف لأنه لا يملك حيلة في التخلص من خواطره,نعال مفطورة على كراهية عمياء,لم تسامح عصفور متعب على هفوة,بقي طوال جناحيه يطير,ساعيا لقوت أفراخه دون جدوى,لأنها تخاف العصافير حين تطير,نعال خبيثة من أين لها تحمل طهارة طيف مشاكس, يجوب براري يقظته البعيدة,ينشد أثير فجأة قريبة,يسوقها إلى عظام هائمة على حدود المقابر,لعل الزمن يعجن ذكرياته ويكسو العظام لحما وينفخ في الهياكل روحا,لأنها تخاف الأطياف حين تفكر,اعتقدت النعال أنها كافحت كل كينونة قيد التبلور,فأخذت مرتاحة تسرح في أجساد البشر.
تعب الطيف والعصفور من الم التخفي,من وجع المناورة,من معاناة الحراسة,من عذابات الساعة الثالثة خوفا,من ثقل خطوات تزحف إلى المسامع ليلا,من قتامة أعين ترصد أنفاس النهار,من حياكة الأحلام تأويلا وترميزا وتقية,تعبوا من كرامة مهدورة,فاختارا أن يكونا شرارة كبرياء,لتدور على النعال الدوائر,فقد أيقظ الرماد سكان القبور,وعادت الحياة تنهض ثانية,حاملة معها سنين من حسابات طويلة,قضاها الإنسان يمشي حافيا على جليد المظالم,لم تصدق النعال وهي تشهد جموع أبناء آدم عائدة من العدم تتقدم نحوها بلا وجل,وتقبض عليها وتتخذها من جديد مداس للقدم,حتى النويعل العظيم فقد هرب و استجار بملك الرعاة,ونصح أترابه أن يلحقوا به في أول فرصة قبل أن تدوسهم الأقدام .
زاكروس عثمان sibasdar@gmail.com

Advertisements
بواسطة aljazeerasy

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s