مذكرة الوفد الكردي في باريس إلى هيئة الأمم1


مذكرة الوفد الكردي في باريس إلى هيئة الأمم1

الزعيم الكردي الأمير كاميران أمين عالي بدرخان
دكتور في الحقوق
أفنى زهرة شبابه خارج أرض الوطن في سبيل الوطن
حكمت عليه محاكم الاستقلال التركية بالإعدام فلم تطله.

* *

شعرت ايران بدنو اجل ميثاق بغداد، وهو اليوم في دور الاحتضار فعلاً، فأرادت ان تستغل روح نصوصه المجرمة، فوضعته موضع التنفيذ في الانتقام من الأكراد. وايران هي من الدول التي تحتل القسم الواحد من بلاد الأكراد الغريبة عنها. وفروق الغرابة بين الفارسي والكردي ظاهرة حتى في التسمية نفسها دون ان نذهب إلى أبعد من ذلك.

وفي مذكرة الوفد الكردي في باريس، المرفوعة إلى هيئة الأمم التي يجد القارئ ترجمتها الحرفية عن الفرنسية أدناه، حقيقة ما أصاب إحدى المناطق الكردية قبل بضعة أسابيع استناداً إلى ميثاق بغداد، هذا الميثاق الذي لم تدخله أمريكا حتى الآن وان كانت الدماغ المحرك له.

فقد الأكراد كل ثقة بمن يدعون احترام النظم الديمقراطية وتطبيقها أو رعايتهم حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو الأخذ بيد التواقة منها إلى الانعتاق من ظلم الطغاة.

وتاريخ الأكراد منذ أربعين عاماً على الأقل يشهد انه كلما طالبوا بممارسة اقل ما للإنسان من حقوق طبيعية ولدت معه، منها التكلم بلغتهم وان كانوا من أبوين كرديين، كان نصيبهم الحملات العسكرية، يكون أمر قائدهم اليومي القضاء على كل ما يصادفه من نسل وحرث كرديين.

وإلى ان يجد الأكراد مخرجاً سليماً غير ديمقراطي لقضية شعبهم الكبرى الذي تفترسه الدول المحتلة بأسلحة ديمقراطية، ستبقى ملايينهم لا خير يرتجى لها، ما لم يفكر أحرارها في تنظيم المقاومة على غرار منظمة الأيوكا القبرصية، تبدأ في أماكن يمكن ترسيخ أقدامها، فتنتهي عند تحرير ما يمكن تحريره في بادئ الأمر حتى ترجع البلاد الكردية إلى أصحابها الشرعيين –الأكراد لا غيرهم.

لبنان الحيادي

كان النجاح حليف لبنان بامتناعه عن الانضمام إلى حلف لا يعرف سوى الدمار والعمل على إبادة الجنس البشري، كما جرى في جافانرو(جوانرو)، وسيجري في غيرها. فلو انضم إلى هذه الآلة العدوانية الفتاكة، لاشترك بحكم عضويته، في تدمير شعب، لا يعرف عنه سوى اسمه، ولنزلت هراوات أصحاب الحلف، مع الزمن، على رؤوس الكثير من أحرار لبنان. ولعل خير ما يحمل كل حر مخلص على مناصرة الشعب الكردي في مطالبة القومية المشروعة هو ما ذكره المفكر الكبير والعالم بتحليل الحوادث ونتائجها، الأستاذ أميل الخوري اللبناني في كتابه الحديث “أثار أقدام” الجزء الأول، الطبعة الثانية ص74 قال:

(من الناس من لا يفكر بواجبه نحو المظلوم إلا بعد أن يتذوق طعم الهراوة. ومنهم من يفزع للمستغيث وينشط لدرء الخطر “البلطجي” قبل ان تقع الهراوة على رأسه، ومن حكم كونفوشيوس، وعندي أنها أجمل حكمة قالها: “كلما علمت ان الظلم أودى بحياة رجل شعرت كأن يد الموت تأخذ بخناقي”.).

المذكرة الكردية

باريس في 3آذار1956م. الوفد الكردي،3، شارع هومبلو، باريس15.

سيدي الأمين العام

ان الوفد الكردي بمذكرته هذه، يؤكد لكم مضامين المذكرات الموجهة لسعادتكم عن طريقه في 30تموز سنة 1947م، و29تشرين الثاني سنة 1948م، و15كانون الثاني سنة 1949م، و13أيلول سنة 1950م، و27أيلول سنة 1950م، و18 تشرين الثاني سنة 1951م، و30تشرين الثاني سنة 1952م، و5آب سنة 1954م، و7أيلول سنة 1955م، ويتشرف بأن يعرض لسعادتكم ما يأتي:

ان حكومة طهران، رغبة منها في الاستفادة من نصوص ميثاق بغداد، وبعد ان ضمنت مسبقاً مساهمة الحكومة العراقية معها، قذفت بالفيلق الثالث من الجيش الإيراني، ضد أكراد منطقة جافانرو، الواقعة بالقرب من الحدود العراقية، وهي المنطقة التي تؤلف قسماً من كردستان التي تحتلها إيران، وتضم مدينة كاليه وما يقارب الستين قرية.

فمنذ فجر الرابع من شباط 1956م كان المشاة الإيرانيون، تساندهم الدبابات والمدفعية والطيران، يهاجمون بشره هذه المنطقة الكردية.

وفي السابع والعشرين من شباط 1956 صدر بلاغ هيئة الأركان الإيرانية يقول: “لقد احتل الجيش الإيراني اليوم، بعد عشرين يوماً من قتال تحت ظروف مريرة للغاية، دار وسط عواصف الثلوج، منطقة الجافانرويين القائمة على مقربة من الحدود العراقية.”.

وفي مقابلة المقدم جان، قائد العمليات الحربية في هيئة الأركان الإيرانية، مع وكالة الصحافة الفرنسية في الثامن والعشرين من شباط 1956م، صرح بأن الطيران ساهم في إبادة بضعة أوكار للمقاومة، وقال: “لقد جهدنا كثيراً للحد الأدنى من الخسائر التي أنزلناها بالثوار إلى الحد الأدنى الممكن، وان الطيران لم يشترك بالعمليات الحربية إلا بعد ان انذر القرويين، بواسطة المناشير، ليرحلوا النساء والأطفال.”.

وفي نفس الوقت صرح المقدم بأنه لا يمكن تحديد عدد الضحايا الناجمة عن هذه الغارات، وفي الأخير قال ان زعيمي قبيلة جافانرو حسين بك، وعزيز بك، التجأ مع رجالهما إلى المناطق الوعرة وان الجنود الإيرانيين ما زالوا يتابعون تطهير هذه الأراضي. وأردف المقدم فيما يتعلق بأسلحة الثوار، إنهم كانوا مجهزين بالبنادق فقط. ومن جهة أخرى صرح الناطق بلسان الجيش الإيراني، بان مساهمة السلطات العراقية التي منعت لجوء الجافانرويين إلى أراضيها قد سهلت هذه العمليات كثيراً، وانتهى إلى القول:

“كانت الحملات العسكرية التي تشن ضد هذه المنطقة من كردستان حتى الآن تذهب سدى، اذ ان الثوار كانوا يرفضون القتال وكانوا يلتجئون إلى العراق. غير ان توقيع ميثاق بغداد قد قلب اليوم هذا الوضع من أساسه”.

وتتهم حكومة طهران الجافانرويين، بأنهم يتحدّون دوماً الأوامر الرسمية، وخصوصاً فيما يتعلق بزراعة الحشيش والتهريب. ان الأخطاء المنسوبة لقبضة من الجافانرويين لهي هزيلة، بشكل لا تبرر خوض عمليات حربية واسعة بهذا المدى، مدعومة بغارات قاصفة جماعية وفي أيام الشتاء، ساعتذاك عندما تتراوح درجة الحرارة في تلك المنطقة بين الـ15 والـ30تحت الصفر. ومن جهة أخرى، فان تصريحات حكومة طهران تدل على ان هذه القبضة من الرجال كانت تتجنب دائماً الاحتكاك بالقوات الحكومية، وتلجأ الى العراق. لذلك، ألا يحق لنا أن نتساءل لماذا كان الجيش الإيراني يمتنع عن احتلال هذه المنطقة احتلالاً سلمياً؟.

وليس بمقدور هيئة الأركان الإيرانية ان تتجاهل، من جهة أخرى، ان انذاراتها المزعومة التي تعلن عنها قبل قصف القرى الكردية لم تكن لتجدي قتيلاً وسط عواصف الثلوج. اذاً إلى أين يلجأ النساء والأطفال والشيوخ بطقس تبلغ حرارته العشرين تحت الصفر تقريباً.

“راجع البلاغ الإيراني”.

أما بصدد اتهامات زراعة الحشيش التي تلوم حكومة طهران سكان جافانرو عليها فإنها لا صحة لها بتاتاً. ان التحقيق لكفيل بان يكذب تكذيباً رسمياً هذا الادعاء. ان هذه الزراعة غير موجودة بالمرة في أية مقاطعة من الجافانرو، ولا في المناطق المجاورة.

والمشهور من جهة أخرى، هو انه بعكس الفرس لا يتعاطى الكردي هذا المخدر.

ان أسف حكومة طهران بصدد التهريب في هذه المنطقة من جهة أخرى كان ما يبرره. ولكن أليس التهريب المرض المشترك في جميع المناطق الواقعة على الحدود في العالم بأسره؟ فهي، من الناحية التي تهمنا تعني بنقل السكر والبن والشاي والأقطان.

أكافية هي هذه الوقائع لتبرير الإغارة على منطقة بكاملها وقصفها؟.

وليس بالأمر العادي ان تستخدم حكومة ما طائراتها لتدمير قرى واقعة في أرض وطنها، ولإفناء السكان عن بكرة أبيهم.

ولم نر في العالم الحديث، أعمالاً كهذه إلا في إيران والعراق وتركيا، الموقعين الثلاثة على حلف بغداد. ان هذه الدول، بأعمالها هذه، تعتبر الشعب الكردي غريباً عنها، وان مناطق الأكراد عندها ليست لها، ولا أحد في الواقع يدمر من تلقاء نفسه ما هو ملكٌ خاصٌ به.

وغالباً ما جربت الحكومات المذكورة ان تبرر أعمالاً كهذه زاعمة ان الهياج في كردستان كان مصطنعاً من جراء تدخل إحدى الدول الكبرى ولنذكر حتى نوفي الادعاء حقه، ان الوطنية الكردية لها ماض قديم جداً قلا كثر من قرن والأكراد يسفكون دماءهم من أجل حريتهم، وإنهم اليوم من اجل متابعة هذا العراك المقدس، ليسوا بحاجة إلى تشجيع أي كان وكلهم متفقون على ألا يكونوا خدام أي استعمار مهما كان لونه.

وهذه هي المرة الثالثة بمدة خمس سنوات، التي يغير فيها الجيش والطيران الإيرانيان على السكان الأكراد.

ان الحكومة الإيرانية لا يمكن ان تجهل ان الغارات التي تقوم بها في وسط الشتاء، وحتى على القرى المهجورة من سكانها، تعرض حياة النساء والأولاد والشيوخ والمرضى لأشد الأخطار وذلك بحرمانهم من أي ملجأ.

انها في الواقع لا تجهل هذه الحقيقة. والهدف الذي تنشده اذن ليس سوى رغبة منها في إفناء الجماعات الكردية. ان هذه الجريمة التي تمتاز بكونها ضد الإنسانية المقترفة في أيام السلم، في المكان الذي يقطنه الشعب الكردي، تحمل اسم جريمة: قتل البشر.

ان الوفد الكردي يتهم الحكومة الإيرانية بقتل البشر، هذه الجريمة الكبرى غير الإنسانية، ويلقي على عاتقها جميع التبعات القانونية الناجمة عنها.

أعلن المقدم جان انه يجهل عدد ضحايا الغارات الجوية. وها كم لغاية 29 شباط 1956 عدد هذه الضحايا الصحيح 239امرأة و416ولداً و137شيخاً و34مريضاً وعاجزاً وما يقارب الألف جريح.

وقد قتل 37كردياً وأسلحتهم بأيديهم إبان العمليات الحربية، وأجهزت القوات الإيرانية على 59جريحاً. وهناك 47قروياً غير مسلحين قتلوا رمياً بالرصاص انتقاماً. ويضاف إلى هذه الضحايا البشرية النهب والسلب من قبل الجماعات الإيرانية اللذين لا يوصفان.

وينبغي تهنئة حكومة إيران بفعالية حلف بغداد. وهنا لا نقدر ان نمتنع عن الملاحظة بان هذه المعاهدة التي ترعاها بريطانيا العظمى بمثابة آلة الدفاع ضد العدوان قد لاقت أول تطبيق عملي لها في ذبح النساء والأولاد والطاعنين بالسن وإقفال باب الملجأ الذي كان بوسعهم ان يجدوه عند إخوانهم في العنصر، أكراد العراق، هربا من القصف.

ومن المعلوم ان حق الالتجاء مقدس وشرعة حقوق الإنسان تقره.

وقد استعملت الحكومة الإيرانية هذه الغارات على القرى الآمنة، الطائرات التي وصلت إليها من أمريكا ومما يؤسف له أكثر هو ان العصبة الكردية في مذكرة موجهة لسعادة الجنرال مارشال، وزير الخارجية للولايات المتحدة حينذاك، في 31آذار 1947 لفتت نظر حكومة أمريكا للنتائج الخطيرة التي تسببها شحنات السلاح إلى حكومات إيران وتركيا، دون ان تحصل منهما على ضمانات مسبقة لكيفية استخدام هذه الأسلحة.

فالتاريخ الحديث لهذين البلدين المصبوغ بالدم، لكثرة قتل الأقليات العنصرية أو اللغوية، برهن كفاية على ان أمثال هذه الاحتياطات كانت ضرورية.

وقبل ان نختم مذكرتنا هذه، نلفت نظر سعادتكم إلى الأسباب الحقيقية للضغط العسكري الواقع على أكراد جافانرو، وهي الآتية:

1-أبان حكم المرحوم رضا شاه، أبي الشاه الحالي، استدعي زعيم الجافانرويين، ابي الزعيم الحالي إلى طهران. وحالما وصل إلى العاصمة ويداه مليئتان بالهدايا، صدر أمر الشاه بتوقيفه وزجه بالسجن حيث لاقى حتفه. وسبب هذا العقاب لم يكن سوى ان الزعيم الكردي رفض ان يدفع للشاه علاوة عن الضرائب الباهظة، 20 بالمئة من محاصيل أراضي جافانرو. وفي الواقع كان رضا شاه قد أصدر مرسوماً بإعلان المناطق الكردية في شاهاباد وجافانرو ممتلكات شاهنشاهية وفيما عدا ذلك وأبان عمليات عام 1951 الحربية، قتل الجند الفارسيون عم زعيم الجافانرو الحالي.

ودعا الشاه الحالي، عند زواجه ثانية، حسين بك للمثول إلى طهران فرفض.. ولأسباب..

2-أصر حسن بك على رفضه دفع الـ20بالمئة علاوة عن الضرائب للشاه. هذه هي الدوافع الحقيقية لعداوة حكومة طهران إزاء الجافانرويين.

وهناك حدث مهم يعنينا ذكره. ان بلاغا من هيئة الأركان الإيرانية يعلن انه قبل سفر الشاه إلى الهند أعطى بنفسه أمراً لشن الحملات العسكرية كي لا يترك أدنى شك يتسرب إلى زعيم الجافانرويين عن المصدر الدافع لها، وفي الواقع، في دولة ديمقراطية، ليس الملك من يأمر بالحملات التأديبية.

سيدي الأمين العام

باسم الوفد الكردي، اسأل ان تتكرم وتحمل على مسامع مجلس الأمن هذه الوقائع التي تضع الأمن والسلام في خطر في هذه البقعة من العالم، التي تؤلف خرقاً لحقوق الإنسان، ويؤكد الوفد ان الحكومة الإيرانية عرضت نفسها لتهمة جريمة قتل البشر-الجريمة التي تمثلت في قتل الشعب الكردي.

وتفضل، سيدي الأمين العام، بقبول عبارات فائق اعتباري واحترامي.

المصدر: الكتاب – من أدب القضية- إعداد: دلاور زنكي و أحمد شهاب. الطبعة الأولى- الخاصة- المانيا- برلين- 2011م. راجع موقع دلاور زنكي :

بواسطة aljazeerasy

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s