نـزار بـيرو : فردوس عروس حلبجة


نـزار بـيرو : فردوس عروس حلبجة

بعد ان أصبحت كوردستان فردوساَ، كانت فردوسُ قد ماتت..في مثل هذا اليوم من عام ثمانية و ثمانين ، قصف الطيران العراقي مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي وقتلَ أكثر من خمسة آلاف من أهلها.

فرَ من بقي منهم أحياء ، إلى إيران وهم يعانون من آثار ذلك السلاح المدمر من جهة ، ومن جهة ثانية فقدهم لأهلهم و أقربائهم الذين اندثرُ هنا وهناك و بين أزقة و شوارع مدينتهم الشهيدة .

حينها كان هنالك ولد رضيع ، جاء ولادته في هذه المدينة قبل ذلك الحادث بشهر أو أكثر ، وقد أسمياه والداه ( زمناكو ) على اسم قمة أو جبل أشم من جبال كوردستان ، ولكنه و منذ ذلك الوقت عاش باسم آخر اختارته له أمه التي لم تلده ، و كَبُرَ ووعى على ارض ليس بأرضه ، ووطن لا يعترف به ، حتى و ان كان يتكلم بلغتهم ، ولا يفهم لغة غيرها .

قصة هذا الطفل بدأ عندما فرَ مع والدته من مدينة حلبجة باتجاه إيران، ومن هول الکارثة، ان تفرق الطفل عن والدته ، و اختار له القدر ان يتربى في كنف عائلة إيرانية أكثر من عشرين عاماً ، و اختار له اسم ( علي ) .

ولكن و بعد ان أصبح الطفل الصغير شابا في العشرين من عمره ، وجد نفسه وحيدا بعد ان توفيت السيدة التي قامت بتربيته كل تلك السنين ، فأخذ يبحث عن جذوره لكي يحصل على وثيقة أو أوراق تثبت هويته في ( إيران ) لكن وعندما تعذر ذلك ، وعرف بحقيقة أمره ، كان قد عاد أخيرا إلى مدينته ( حلبجة ) تلك المدينة التي ولد فيها .

حينها تقدمت أكثر من عائلة تبحث عن أفراد فُقِدُ لهم في تلك الظروف للکشف عن نسب علي، عسى ان يكون هو ضالة إحدى هذه العائلات .

و بعد ان كشف الفحص الجيني هوية الشاب والذي تعرف و بعد أكثر من عشرين عاماً على عائلته الحقيقية و اسمه الحقيقي ( زمناكو ) ، كان لحظات الإعلان عن نسبه لحظات مفعمة بالمشاعر و كل من شاهدها و كان موجودا في ذلك المكان، و من تابعها من على نشرات الأخبار، لعل وانه قد تأثر بها ، و يكون قد تذكر و أحس بهول كارثة حلبجة و بشاعة ما حدث ذلك اليوم .

وأنا أتابع ذلك الحدث تذكرت حادثة أخرى كانت قد حدثت في مدينة حلبجة قبل سنوات و في الوقت الذي كان الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكوردستاني و الإتحاد الوطني، في فترة تطبيع العلاقات من جديد بعد اتفاق للصلح بينهما، بعد سنوات من الاقتتال، و في تلك الفترة كان قد بدأ صراع من نوع جديد بين أجهزة الأعلام للطرفين و كان كل طرف يعرض تقارير خبرية في مناطق الطرف الآخر ، و يعرض أوجه الخلل و التقصير فيها ، الحادثة كان ضمن تقرير مصور من مدينة حلبجة و في نشرة للأخبار لقناة فضائية تابعة للديمقراطي الكوردستاني .

التقرير کان يعرض اوجه التقصير في البناء و الاعمار في مدينة حلبجة و كان التقرير يدور حول فتاة صغيرة ذات عشرة أعوام وحيدة والديها و اسمها ( فردوس ) كان والداها من هؤلاء الذين فقدُ أهلهم في قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي، و كانت الفتاة الصغيرة قد تعودت ان تلعب بمرجوحتها و التي عُلقت حبالها في ركيزة خشبية لإحدى الغرف المحطمة بفعل القصف ( الصدامي ) لها منذ سنين ، حيث كانت الفتاة الصغيرة تفيق كل صباح ، و تظل تلعب بمرجوحتها إلى ان تستيقظ والديها.

ذلك الصباح استيقظ والدها ولم يجد الصغيرة ( فردوس ) فاخذ يبحث عنها في باحة الدار مثل المجنون و ينادي باسمها عسى أنها تسمعه ، و لكن دون جدوى .

أخيرا سقط على ركبتيه وانتابه موجة من البكاء الهستيري ، ذلك عندما رأى خصلات من شَعر فردوس الأصفر تبرز من بين الحجارة المهدمة للجدار العتيق .

هذه هي حلبجة ، المدينة التي ألهمت الشعراء والفنانين في شعرهم و لوحاتهم وأفاقت ضمير و وجدان العالم حتى أصبحت قبلة لزوار و ضيوف كوردستان ، يضعون أكاليل الورود بين ثناياها و على مروجها الخضراء و التي لم تعد كذلك بعد ان لبست البياض ، البياض الذي لفت به الأجساد الطاهرة ، البياض التي سممت ترابها و حرقت نباتها و أبادت أهلها ، أهلها هؤلاء الذين دفعُ الثمن ، هم دفع الثمن و الكل قد قبض . و أول القابضين كنا نحن ، نحن من نعيش في بلاد الغربة ، بلاد الأحلام والنعيم و العذاب ، حيث لولا هم لما كنا هنا ، لو لم يلتف أجساد أطفالهم البياض و يمتلأ بطونهم بالخردل الأبيض ، لما لبس أطفالنا الفرو الأبيض كالثلج ، ولما احتسوا الحليب و الشكولاتة و هم جالسين على مقاعدهم المريحة في قاعة الدرس، وهم يأخذون دروساً في المساواة واحترام المقابل كانسان . لو لم يلتف أجساد أطفالهم البياض و يمتلأ بطونهم الخردل الأبيض ، لما ترفرفَ علم كوردستان في كل بيتْ . لما تحققَ الحلم وأصبح الرئيس كوردياً .

لما كان هناك إقليم و رئيس إقليم كوردستان .

لو لم يلتف أجساد أطفالهم البياض لما كان هناك حكومة ولا برلمان ، و لا نفط ولا بنيان .

لو لم يلتف أجساد أطفالهم البياض لما كان هناك صروحاً و قصوراً عملاقة، ولا كان هناك ثروات ولا شركات ولا أبراج تعالي السماء و تنتظر من يدفع لكي يسكن فيها ، و يتمتع بنعمها. ولولاهم، لما كان هناك سهر في هه‌ولير، ولا طرب ، يطرب لياليها ( عندليب الفرس ) و ( فنانات العرب ).

نـزار بـيرو

السويد

Advertisements
بواسطة aljazeerasy

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s