عشر وصايا لساسة الكردد- الوصية الثالثة. أحمد محمود الخليل


حذار من تغليب الأجندات الحزبية على الأجندة القومية!

تقول أغنية فولكلورية أمريكية:

“بسبب مسمارٍ سَقط نَعل.

وبسبب نعلٍ تعثّرَ حصان.

وبسبب حصانٍ سقطَ فارس.

وبسبب فارسٍ خُسرتْ معركة.

وبسبب معركةٍ فُقدتْ مملكة”. (جايمس غليك: نظرية الفوضى، ص 39).

وفي ميدان السياسة هذه هي اللاواقعية، وهذا هو الخلط في ترتيب الأولويات، وهذه هي الانتهازية، وهذا هو العجز عن إدراك العلاقة العضوية بين الأجندة الحزبية والأجندة القومية، ولتوضيح هذه العلاقة ينبغي الأخذ في الحسبان أن للسياسة غايتين: صيانة مصالح أفراد الأمة داخلياً، وصيانة مصالح الأمة خارجياً مع الأمم الأخرى. ولا يخفى أن الأمم في عالمنا المعاصر بشكل عام نوعان:

ـ أمم مستقلة: لها موقعها على خريطة العالم السياسية، وحكومتها التي تنظّم شؤونها داخلياً، وتصون مصالحها دولياً، ولها كرسيها في هيئة الأمم. إن الأحزاب في أمم كهذه تتنافس لتقديم مشاريع سياسية، ترى أنها الأجدى لصيانة مصالح الأفراد داخلياً، وصيانة مصالح الأمة خارجياً، وتدور الأحزاب جميعها في فلك الأجندة القومية/الوطنية، وعلى أساسها تقام الانتخابات وتتشكل الحكومات، وحتّى إذا شذّ حزب ما في الانتهازية السياسية، فإن ضرره يظل محدوداً، وتبقى الأمة متماسكة ومحتفظة بكيانها.

– أمم مستعمَرة: أرضها محتلة، لا موقع لها على خريطة العالم السياسية، ولا حكومة خاصة بها، ولا كرسي لها في هيئة الأمم، وهي تتعرض للقهر والصهر، ويضع المحتل الخطط لتجهيلها معرفياً، وتفريغ ذاكرتها تاريخياً، وتفقيرها اقتصادياً، وتمييعها أخلاقياً، وتفتيتها اجتماعياً، تمهيداً لرميها خارج التاريخ وإلى الأبد. والأمة الكردية مثال لهذا النمط، وفي حال أمة كهذه لا جدوى في التشظّي الحزبي، وإنما يكون الخلاص بوجود إطار مرجعي سياسي قومي موحَّد وموحِّد، يصون الأمة من الاندثار.

إن الإطار المرجعي هو أجندة قومية شاملة، ينتظم فيها ساسة الأمة بمختلف انتماءاتهم الدينية والمذهبية والقبَلية والطبقية والمناطقية، ويمكن أن يختلفوا في الفروع، لكنهم يجتمعون على الأصول، ويعملون لهدف قومي واحد، ويدورون في فلك مشروع قومي واحد يتلخص في عبارتين (تحرير الوطن، وإقامة الدولة المستقلة)، مع ضرورة عدم الانفصال عن الواقع، وعدم إدارة الظهر للشروط والظروف الداخلية والخارجية، وعدم التوهم بأن هدفاً كبيراً كهذا يمكن تحقيقه بكبسة زرّ.

وتعالوا الآن نتساءل: ما حال الأجندة الكردية السياسية القومية؟

يقول شاعر أوربي: “أحلم بالهرب ولكن، تتملّكني همسات داخلية” (جدسون جيروم: دليل الشاعر، ص 3)، ويؤلمني أن أقول: كان بودّي أن أتهرّب من الإجابة عن هذا السؤال، بل لا أخفي أنني أتهرّب من سؤال آخر يطاردني بعناد، وهو: هل ثمة أجندة كردية سياسية قومية؟ لكن مقولة النُّفَّري- ذلك المفكّر العظيم، ابن مدينة (نِيپُور) السومرية: “”أوقفني وراء الموقف، وقال لي: الكونُ موقف” (النُّفَّري: المخاطبات ص 63)، تنتصب أمامي، وتمسكني من خناقي، ولا أجد بُدّاً من الإجابة.

فمنذ ثورة الشهيد شيخ سعيد سنة (1925)، وإلى آخر شهيد ربما يكون قد سقط في الزنازين أو في ساحات الكفاح وأنا أكتب هذه الكلمات، ومع كل هذا العدد الكبير من الأحزاب، ومع جهود كل القيادات- مع احترامي الجمّ والعميق لهم كأفراد- ومع كل هذا الكمّ الهائل من الشعارات، والنشرات، والمؤتمرات، والاجتماعات، والبيانات، والنضالات، والانهزامات وهي كثيرة، والانتصارات وهي قليلة، هل كانت توجد أجندة سياسية كردستانية موحّدة؟ وهل هي موجود الآن؟

لو كانت ثمة أجندة سياسية كردستانية موحَّدة، هل كانت ثورة (1925) تقع ضحية الصراعات القَبَلية من جانب، والصراعات الطائفية بين الكرد السُنّة والكرد العلويين من جانب آخر؟ هل كانت الأحزاب الكردستانية تتقاتل فيما بينها لتحقيق مكاسب حزبية؟ هل كانت أهم الإدارات في كردستان الجنوبية تبقى منفصلة طوال عشرين عاماً؟ هل كان الكرد يبقون منقسمين بين الولاء لهذا (السروك) ولذاك (السروك)؟ هل كان الكرد يبقون عاجزين إلى الآن عن التخاطب بلغة واحدة والكتابة بخط واحد؟ هل كان الكرد يظلون منقسمين إلى الآن بين حمل راية قومية من شكل وراية قومية من شكل آخر؟

ودعونا نضيّق الدائرة، ونركز على غربي كردستان، فلو كانت ثمة أجندة قومية موحَّدة، هل كان يتوالد بين ثلاثة ملايين كردي حوالي عشرين حزباً وحركة سياسية متصارعة، وما يزال التشظّي قائماً؟ أليس المنطق القومي يتطلب أن تكون ثمة جبهة قومية تنتظم ضمنها الأحزاب كلها؟ أليست هذه الظاهرة أكثر من شاذة حتى بالمعايير السياسية الرخوة؟ أليست حال أحزابنا في غربي كردستان أشبه بسجناء يتصارعون على من يكون الزعيم في السجن، بدل العمل معاً للخلاص من السجن والسجّان؟

ولو كانت ثمة أجندة كردستانية موحَّدة هل كانت أحزابنا تتنازع بمجرد نشوب الثورة في سوريا، ويصبح بعض الكرد من (موالي) المجلس الوطني السوري، وبعض الكرد من (موالي) هيئة التنسيق الوطنية السورية، وبعض الكرد من (موالي) النظام السوري؟ وهل كانت مظاهرات شعبنا ستكون مختلفة الأمكنة والشعارات والألوان؟ وهل كانت أحزابنا تتصارع على من يكون السيّد الأوحد في الساحة؟ ألسنا نلهث الآن خلف ثورة قام بها غيرنا، ويقودها غيرنا، وسيوظّفها غيرنا لمصالحه؟ ألا تذكّرنا هذه الحال بانشطار أجدادنا إلى موالين للصفويين وموالين للعثمانيين، ألسنا الآن أمام بوادر من أن يتحول بعض الكرد إلى موالين لإيران سليلة الصفويين، وآخرون موالين لتركيا سليلة العثمانيين؟

أليست هذه الانقسامات، والجري خلف تحشيد الجماهير واختطافها، ورمي الاتهامات في وجوه الآخرين، دليلاً على أن أحزابنا فقدت البوصلة القومية، وهي تهتدي بالبوصلة الحزبية؟ أليست دليلاً على أن أحزابنا منشغلة بالأجندات الحزبية إلى حدّ العشق، ووضعت الأجندة الكردستانية جانباً؟

ويؤسفنا ويؤلمنا أن نقول: مع كل هذه الصراعات الحزبية، والجري وراء السيادية التي لا شريك لها، والسروكاتية التي تُختزَل فيها القضية القومية، ومع كل هذا الهوس بالأجندات الحزبية والشخصية، ومع كل هذه المناورات للهرب من الأجندة الكردستانية الموحَّدة، كيف لا يستمر المحتالون في احتلال كردستان؟ وكيف لا يستمرون في إذلال شعبنا وتصنيفه في خانة (أقليات)؟ وكيف لا يستمرون في نهب ثرواتنا؟ وكيف لا يرفضون تسميتنا (شعباً)؟ وكيف لا يشبّهونا بمهاجري فرنسا؟ وكيف لا يتجرّأون على أن يقولوا في المؤتمرات “طز في الأكراد!” ؟ وكيف لا يطعن شبابنا بعضهم بالسكاكين؟ وكيف لا يجري بعضهم خلف “الجيش الحر” ويستجديه لتأديب بعضنا الآخر؟

يا ساستنا المحترمين، حذار من تضييع “مملكة” جرياً خلف “مسمار”! وحذار من التضحية بالأمة الكردية على مذابح السياديات الحزبية! وحذار من تأليه الأجندات الحزبية وتغييب الأجندة القومية! فما يُدَبَّر لنا أخطر وأكبر من أن يتصدّى له حزب واحد، ولا خلاص لنا إلا بالأجندة القومية.

فهل أنتم فاعلون؟

وإلى اللقاء في الوصية الرابعة.

22 – 7 –

Advertisements
بواسطة aljazeerasy

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s