(المطلب الكردي بين سنديان التحديات و مطرقة الواقع)


(المطلب الكردي بين سنديان التحديات و مطرقة الواقع)
قبل سلسلة ثورات الربيع العربي التي اجتاحت بعض الدول العربية ,و حطت برحالها في سوريا منذ أكثر من سنة ,كان يُسأل المرء :هل أنت كردي أم عربي ؟,خاصة في محافظة الحسكة ,أما الآن فهو ُيسأل :هل أنت معارض أم مؤيد , ايضاً قبل سلسلة هذه الثورات الشعبية لم يكن للكردي أن يتبجح ببطولات أسلافه في الإطار الوطني , او حتى أن يقول : بان إبراهيم هنانو او يوسف العظمة او محمد العابد هم أكراد , او أن يقول : بان سليمان الحلبي الذي قتل القائد (كليبر)في مصر هو كردي ,او إن المجاهد الكردي (احمد البارافي)الذي وقف فوق سرايا الدفاع الفرنسية إبان الاحتلال الفرنسي لسوريا و رفع العلم الوطني وهو ينادي (تعيش سوريا حرةً)واعدم إثر ذلك .هذا وان تفوه احد الأكراد و ذكر بعض تلك الأشياء بخجلٍ لبعض أصدقائه العرب , كان يقابل بسيلٍ من العبارات الساخرة ، التي كان أفضلها ,أن يرد احدهم بقوله :لم يبقى إلا أن تقول: بأن رب العالمين و رسوله محمد(ص)هم ايضاً اكراداً!.
أما الآن وقد دخلنا العام الثاني على الحراك الشعبي القائم , ورغم الإجحاف والإقصاء ومحاولة الصهر الذي كان يعانيه الشعب الكردي في سوريا ولازال ، إن كان من قبل النظام و مشاريعه العنصرية و الاستثنائية , او من قبل الإخوة العرب الذين كانوا يفكرون ويقررون تحت عباءة النظام بذريعة عدم درايتهم بوجود قضية كردية في سوريا , او أن النظام أوهمهم بان الأكراد انفصاليين إلى غير ذلك من المبررات التي لا معنى لها في قواميس السياسة , إلا إن الشعب الكردي في سوريا لم يتنصل عن مهمته الوطنية وأكمل مشوار الأسلاف , إن كان في الإطار الوطني العام كون الحركة السياسية الكردية جزء لا يتجزأ من المعارضة الوطنية السورية, او في إطار تفعيل مبدأ تمتين أواصل الإخوة العربية الكردية التي نادت بها الحركة الكردية منذ تأسيسها عام (1957 ), وترجمتها على ارض الواقع من خلال(المشاركة الفعلية في الحراك) منذ البداية مع الحفاظ على الخصوصية الكردية . لكن ماذا حدث بعد ذلك ؟ ,وما الذي جعل المعارضة السورية وهي في أوج ضعفها ان تكمل هي بدورها مشوار النظام في إقصاء الكورد من كل حقٍ دستوريٍ في إطارٍ وطنيٍ وضمن الخصوصية الكردية , فالأكراد كأكبر قوة منظمة نزلت للشارع منذ الأيام الأولى لهذا الحراك و نادوا بالتغير السلمي والديمقراطي , ولم يكن لهم أية أطماع في استلام الحكم كما ترى وتحلل بعض أطراف المعارضة في الداخل وفي الخارج , حتى عندما ارتفع سقف المطالب لدى قسم من الشارع الكردي (التنسيقيات) ,ايضاً لم يكن لهم أطماع بكرسي الحكم , لا على مستوى (التنسيقيات) ولا على مستوى المثقف الكردي ولا على مستوى برنامج وأهداف الحركة الكردية , كما لم يحاولوا او حتى يفكروا في اقتناص الفرصة بعقد صفقة مع النظام , وحين طالب النظام الحوار معهم ، وهي البادرة الفريدةٌ من نوعها ، أن يقوم رئيس جمهورية بمثل هذه الخطوة باتجاه الشعب الكردي في سوريا بعد عقودٍ من الظلم والاستعباد ,لا سيما وان لها مكاسب معنوية ,إلا إن الكورد رغم ذلك رفضوا تلك البادرة ،معلنين بأنهم لن يتحاوروا مع النظام إلا في ظروفٍ سياسية وأمنية أفضل هذه الظروف المرتبكة التي لا تحتمل , والغير مستقرة إلى ابعد مداها, وفي ظل كل تلك المعطيات كثيرة هي الاستفسارات التي تطرح نفسها وأولاها, على ماذا راهن الشعب الكردي وحركته السياسية في هذا الحراك القائم؟,(وإذا جاء نصر الله والفتح) ورحل النظام ,واستلم التيار الإسلامي الحكم مترجماً مواقفه المسبقة بإقامة دولة إسلامية خاصة و ان برنامجهم السياسي خالٍ من أي أمل للكورد في إرضاء طموحهم القومي والديمقراطي والتعددي في الإطار الوطني لسوريا الغد؟او أن يستلم العلمانيين الحكم ويُقيَم الكورد على إنهم غجراً كما قيمهم رئيس المجلس الوطني السوري برهان غليون , كما إن مواقفهم الأخيرة تثبت بان الطموح الكردي يجب أن لا يتعدى سقف المواطنة؟.كل هذه المواقف والوقائع أصبحت سارية المفعول من قبل المعارضة والنظام لم يرحل بعد ؟ إذاً ما هو الحل الذي يجعل المعارضة السورية تتبنى برنامجاً سياسياً يعكس رؤى المجتمع السوري بكل مكوناته الاثنية والطائفية والاجتماعية ؟,او هل سنرغم على إيجاد لغةٍ جديدةٍ يتفاهم عليها الكوردي والعربي مع الأطياف الأخرى تفادياً لأي منغصٍ قد يعكر صفوة الحراك والثورة القائمة؟, لا سيما وان تجارب الكورد مع إخوانهم العرب أثبتت منذ العقود البائدة والى هذا اليوم بان القاعدة الفكرية الذي ينطلق منها الأخوة العرب , وبخلاف انتماءاتهم السياسية والفكرية (إسلامي – علماني) او حتى الاتجاه المعتدل في تلك التيارات , هذا بالإضافة إلى اللكنة العروبية الحادة من قبل البعض , والنعرة العنصرية المغلفة بالثوابت القومية للبعض الآخر,وفي خضم كل ذلك لن ننسى بان اتجاه الثورة انحرفت من مسارها الوطني إلى المسار الطائفي وقد يكون ذلك سبباً اساسياً في عدم قيام طيف كبير من المجتمع السوري بدوره الوطني المطلوب في ظل الحل الأمني الذي ينتهجه النظام , ومن جهة أخرى عدم وضوح الرؤية من قِبل المعارضة , وخوف الأقليات من الفكر الديني السياسي, في خضك كل ذلك لم ينتهي الوقت لكي نقول: يا ليت موقف المعارضة السورية بشكل عام أخذت بعدها الوطني في هذه الظروف الحساسة بعيداً عن النعرة القومية الضيقة و الدينية المنغلقة , واتسمت بالشفافية كما اختصرها الأستاذ ميشيل كيلو في إحدى محاضراته بأن مفتاح الحرية و الديمقراطية في سوريا تتمثل في حل القضية الكردية حلاً جذرياً في إطار وطني , وبعيداً عن مجريات الأحداث الساخنة بين المعارضة والمواقف التي تتخذ ارضاءً لفلان وعلان حسب العرض والطلب , وبعيداً عن توضيح كشف حساب الرابح والخاسر في معادلة الثورة المستمرة ومن المستفيد الأول والأخير من الأوراق الدولية والإقليمية , وبعيداً عن آلام الأمهات لفقدانهن فلذات أكبادهن , و الأطفال لآبائهم , والوطن لأبنائه وحرائره , وبعيداً عن تآمر كل دولة لها مشروعها وخذلت الشعب السوري المنتفض لتحقيق أهداف مشروعها وتسببت في إراقة دماء السوريين الزكية , وبعيداً عن ذر الرماد في العيون ومبدأ التخوين والإقصاء و التفرد بالقرار والمهاترات التي لا تجعل الأرقام كسوراً ولا الاصفار أرقاماً, وبعيداً عن آلة القتل التي تحصد أرواح الأبرياء ولن تتوقف عن مهمتها إلا حين ينفذ من الوقود المخصص لها , وبعيداً عن حتمية رحيل النظام او فرضية رحيله , او عن الشكل الذي سيرحل به ,هل سيكون حسب التصور المعمم او حسب مقتضيات ومصالح الدول العظمى والإقليمية , وبعيداً عن التصور القاصر الذي يقارن ويماثل النظام السوري بالنظام التونسي والليبي والمصري , وبعيداً عن الصراع العربي العربي و الكردي الكردي والعربي والكردي الذي لن يخدم الا من له مصلحة في مثل هذا الصراع وأشعل فتنة هذا الصراع , وبعيداً كل البعد عن البعد ذاته. أؤكد بأن الديمقراطية هي السبيل للحرية المنشودة, و لا يأتي الاثنان حين يتم مصادرة الرأي الأخر , او بإقصاء الأخر , او بتصغير الكبير وتكبير الصغير , او بالشعارات الرنانة التي عفا عليها الزمن .
إن قيام الأكراد بدورهم الوطني في هذه المرحلة كانت انعكاساً للواقع المأساوي الذي كانوا يعيشونه في ظل احتقانٍ سياسي ومشاريع عنصرية واستثنائية مدة أربعين سنة مضت , ولو أحصيناها بدقة سنحتاج الى ملفاتٍ الكترونية , لكنها تحولات من حالاتٍ إلى قضايا فردية وجماعية تحتاج الى محاكم للبت فيها , رغم ذلك لم يخرج الهدف الكردي من المرمى الوطني , كما لم يطلب العون من عمقه القومي الطبيعي , دائما كان ولازال يتحين الفرص لكي يحل قضيته العادلة جذرياً على طاولة الحوار في دمشق , وبعيداً عن الدراما السورية التي أقصت بتوجهٍ سياسيٍ بطولات الأكراد من الساحةِ الوطنيةِ السوريةِ منذُ الاحتلال العثماني إلى الانكليزي إلى الفرنسي إلى خوضهم لحرب الاستنزاف و حرب تشرين ضد العدو الإسرائيلي .
بكل بساطة دفع الأكراد ثمن وطنيتهم وانتمائهم للعلم الوطني الكثير الكثير والتاريخ يشهد على ذلك , ولا عجب أن يشعر الكردي بعدم الثقة اتجاه شريكه العربي , خاصة في هذه الظروف الحرجة والحساسة ,التي تحتاج فيها سوريا إلى حالة متكاملة من التكاتف والتعاضد, لا أن يقوم العربي بأبعاد أخيهِ الكردي عنه بألا لف الأميال بحججٍ واهية , باتت باهتةٌ ولا تمت الوطنية قيد أنملة , إن كان مؤيداً او كان معارضاً , فبالتالي الوطن سيجمع المؤيد والمعارض تحت سمائه التي عهدناها صافية وتحت لواء علمه الذي يجب أن يرفرف بطلاقة وبحرية أكثر من ذي قبل , لان سوريا الغد ستكون أفضل للجميع من سوريا اليوم.
بقلم:نور شوقي كوراني.

بواسطة aljazeerasy

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s