سوريا: نَشَبَتْ الطائفية وتعطلتْ لغة الكلام!؟


سوريا: نَشَبَتْ الطائفية وتعطلتْ لغة الكلام!؟

نوري بريمو
19-9-2012

في بداية الثورة السورية التي تخطى عمرها عام ونيّف، أعطينا الحق لأنفسنا وإستبقنا الأحداث بقصد التحليل وقلنا حينها: بما أن نظام البعث يتعمّد عسكرة الحلول ويعتمد على الأسلوب الأمني في التعامل مع الحراك الثوري، فالخشية تكمن في أن يتمكن النظام من تجييش طائفته لصالحه وأيقاظ الفتنة الطائفية وجرّ الفريق المقابل إلى دوامة العنف والعنف المضاد وإفراغ الثورة السورية من محتواها السلمي والديمقراطي وتحويل مسارها كما يشاء وكما يحلو له، مما قد يتسبّب بنشوب حرب طائفية يتعالى فيها أزيز الرصاص وتتعطل لغة الكلام في سوريا التي قد تشهد أقسى السيناريوهات على الإطلاق!.
وبالفعل نال النظام ما أراده إلى درجة كبيرة، حيث نشبت الفتنة الطائفية وإرتفع هدير الطائرات ودوي قذائف المدافع والدبابات وتعطلت لغة الكلام وخَرَست ألسنة غيارى سوريا في مربع العنف المجنون الناشب على خلفية مذهبية صارت طاغية على المشهد السوري في هذه الأيام المعدودة القليلة المتبقية من عمر نظام البعث الذي سيسقط حكماً لكن يبدو أنه لن يرحل إلا بعد أن يكلف أحرار سوريا فاتورة باهظة عنوانها الحرب الشعواء على المدنيين وسفك دماء الأبرياء وتحويلهم إلى مجرّد ضحايا لمجازر جماعية تحدث على الهوية في إطار مسلسل عنفي لا بطل فلم فيه ولا غالب ولا مغلوب سوى أهل سوريا الذين قد يصبحون الخاسر الأكبر لا بل الوحيد في لعبة شد الحبل بين أطراف إقليمية متعادية قد تتحضر للخوض في حرب دولية في ساحتنا السورية والشرق أوسطية.
وقد راهن النظام على منطق القوة ليستطيع وأد الثورة في بعض المناطق الساخنة (درعا وحمص وحماه وادلب وديرالزور وغيرها) لكنه أخفق وخسر الرهان، فما لبثت أن إستفاقت دمشق وحلب وقامتا ولم تقعدا رغم أنّ النظام لا يرحمهما ويدكهما بالأسلحة الثقيلة ليلاً ونهاراً في ظن منه بأنه قادر على إخماد الثورة بإستخدام البطش وعبر فصل المسار السياسي عما يجري في الداخل أو أنه قد يستطيع إحداث خلل في موازين القوى الداخلية والإقليمية وفي التوازنات الدولية عبر إختلاق توازن الرعب لمصلة حلفه الشيعي واستخدام أسلوب التباكي على الخيارات الدبلوماسية التي تعطلت إلى حدٍّ كبير في سوريا التي إنقلبت إلى ساحة ملتهبة تقتحمه نزاعات أهلية وبإنتظار أن تغزو دياره حروب إقليمية تجري بالوكالة بين أطراف ومحاور باتت تتصارع بشكل مرعب قد يحوّل البلد إلى مقبرة لأهله الذين قد يضحّوا بالمزيد من الدماء الزكية قرباناً لخلاصهم من الإحتلال البعثي الغاشم.
ولعلّ العالم يشهد بأنّ ناقوس الخطر في الراهن السوري قد بات يدق أمام أعين الجميع وبالتالي فعلى هذا الجميع أن يدرك بأن براميل البارود التي تلقيها طائرات النظام فوق رؤوس السكان العزّل في المدن والأرياف السورية الآمنة، ستتحول إلى حممٌ بركانية ستتراكم فوق بعضها وستشكل ضغطاً هائلاً على الشأن السوري الذي من شأنه فيما إذا إنفجر أن يفجر معه المنطقة برمتها، فيوماً بعد آخر تتحول سوريا إلى ساحة مستباحه لصراع طائفي يحتدم بين الهلال الشيعي والمحيط السني بمعية أطراف دولية مشاركة برضاها أو بدونه.
وفي خضّم هذا الربيع السوري الدموي المقلق يحق للسان حال الشارع السوري (بعربه وكورده وباقي مكوناته) أن يتساءل ويقول: لماذا بعد أن فشل أمين الجامعة العربي (العربي) وفشل مراقبها السوداني (الدابي) وفشل المبعوث الدولي (عنان) وفشلت كل الجهود الدبلومساية وبعد أن إحترق اليابس والأخضر جاء الأخضر الإبراهيمي وكأنه يحمل عصا سحرية سيلوّح بها فيتوقف سيلان الدماء السورية على الفور؟، أيُعقل أن يدير المجتمع الدولي ظهره ويقف موقف المتفرج مما يجري في هذا البلد الجريح أم أنّ وراء هذه الأكمة الدولية ما وراءها من سيناريوهات؟، أم أن العلة تكمن في الأداء المضطرب لبعض الأطراف المساهمة في الربيع السوري أنفسهم وليس في الآخرين؟، وإذا كان البعض ينتقد المجتمع الدولي ويتهمه بإعطاء مزيد من الوقت للنظام وأطالة عمره جراء إمهاله وعدم ايقافه عند حده حتى الحين، فإنّ المعارضة السورية أيضا تتحمّل قسطا لابأس به من المسئولية لأنها لم تستطع أن تتوحد حتى الآن، إذ أن المطلوب الآني هو التوافق فيما بينها حول أولويات الثورة ومشتركاتها الكثيرة، وبهذا الخصوص فإن المجلس الوطني الكوردي المشارك بدوره الفعال في الثورة السورية عبر قيادته للشارع الكوردي في هذه المرحلة، قد أطلق ولايزال يطلق النداء تلو الآخر لتوحيد صفوف مختلف الأطراف في هذا الربيع السوري المحتاج لتكاتف مختلف القوى السورية لإنهاء سلطة البعث عاجلاً وليس آجلاً.
وما دامت الأمور تسير وفق منوال إطالة المسلسل العنفي وتناوب الكرّ والفرّ في الساحتين الداخلية والخارجية؟، وما دام الوقت يمضي والنظام يطلق يد أجهزته القمعية ويضرب ويبكي ويشتكي ويرحب من طرفه بمجيئ أمثال الإبراهيمي ويعتبرهم رُسُلاً للسلام شريطة بقائه في السلطة!؟، فإن المطلوب من قوى المعارضة في الداخل والخارج أن تلتقي حول مستديرة ربيع ثورتها وأن تناشد المجتمع الدولي بصوت واحد ومرتفع لتحثه بإتجاه التدخل الفوري لمساندة الشعب السوري بشكل إسعافي للتخلص من هذا النظام الدكتاتوري والإتيان ببديل ديمقراطي تعددي فدرالي يحقق آمال وطموحات كافة مكونات سوريا (القومية والدينية والطائفية و..إلخ) في إطار دولة دستورية لامركزية تنصف جميع أهلها.
وللعلم فإن هذا المسلسل العنفي فيما إذا أستمر بهذا الشكل الجنوني فسيؤدي بالضرورة إلى إزدياد عداد القتل والدمار والمجازر الجماعية وتفاقم المأسي الإنسانية وتضاعف ظاهرة اللجوء والتشرد والفقر والعوز والحاجة و…إلخ، وقد تتحول سوريا إلى بلد للأشباح لا بل إلى خرابه تتهدم فوق رؤوس ساكنيها، تماما كما حصل ويحصل في معظم المدن السورية التي تتعرض حالياً لأشد صنوف القصف الوحشي.
ومهما زاد هول هذا الراهن السوري وأيّاً كانت تداعيات إطالة أمد الثورة ومهما كان تجاوب المعنيين بالأمر بطيئا، فإنّ مصلحة البلاد والعباد ينبغي أن تسمو فوق كافة الرؤوس والمنافع والإعتبارات، مما يتوجب على كافة المخلصين المنضوين تحت راية المعارضة السورية أن يتعاملوا مع مجمل الإستحقاقات والواجبات والأولويات بشكل إيجابي من شأنه إنقاذ سوريا من مختلف أشكال الهاوية التي قد تهوي إليها في ظل عدم التوافق المخيّم على الأجواء، إذ لا يُعقَل أنْ يُسْمَحَ لهذا النظام أنْ يُدَحرِجَ البلد إلى مستنقع أكثر عنفاً ودموية.
في كل الأحوال…ليس بالوسع سوى التأكيد بأنّ أمل غيارى سوريا سيبقى معقوداً على أخيار هذه المعمورة ليقدموا الدعم ويد العون لقوى المعارضة بكافة أطيافها التي ينبغي عليها أن تراجع نفسها وتتخلى عن أنانيتها وعن النزعات الطائفية والقوموية وغيرها وأن تضع أيديها بأيدي بعضها دونما أي تمييز وأن تسير جمعا في مسيرة إسقاط نظام البعث اليوم وليس غدا.

بواسطة aljazeerasy

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s